
كنت في سن المراهقة المتأخرة ، في سن التقلب في المزاج ، والتقلب في الاذواق ، والمشاعر وردود الافعال . لم اكن اعرف ماالمطلوب مني سوى النجاح والدراسة ولم اكن اعرف مااريد سوى الذهاب الى المساجد وطلب العلم الشرعي .
قد يبدو ان خيار الالتزام خياراً ممتازاً للمراهق وخاصة وانت كمربي ومسؤول تشعر باطمئنان وارتياح وضمان من عدم سلوك مسلك الانحراف والوقوع في دوامة حب المراهقة والنساء والسجائر واضف اليها التعاطي لانتشار المخدرات في مجتمعاتنا للاسف .
ولكن هذا الارتياح نسبي اذا ما انقلب السحر على الساحر ، واصبح للمراهق المتدين اسلحة فتاكة من الافكار التي يسندها بالحجج والبراهين الدامغة من وجهة نظره. فيسوغ ويسوق عنفه بإسم الدين بل ويغطي فشله بإسم الدين وتميل به ميول التطرف وتقذف به امواج التشتت من هنا لهناك. وهذا ماحصل معي بالضبط ، تحوّل تقلب المزاج الى تقلب في الاراء ثم البحث عن رأي يرضيني لاتشبث به دون ان اقبل رد او نقد او اعتراض ، ومن يعترض فعليه اللعنة لانه كافر بالدين وبسنة الله ورسوله .
وانعكس الامر على اسرتي ، فقد كنت اصنفهم اصنافاً هذا فاسق جاهل وهذه فاسقة جاهرة وذلك مشرك شرك اصغر وهذا مشرك شرك اكبر وهذا ظال وتلك مبتدعة. كما انعكس سوء الفهم هذا الى الدراسة ، فرفضت ان الوث فكري بعلوم ارضية موضوعة من بشر ، واضيع عمري على غير هدى الله وكتابه وعلوم شريعته .
صنفت جميع من في البيت ، وتحول الامر بعد اصدار الاحكام والاتهامات على الجميع ، بدأت افرض رايي ورؤيتي ، ولمن يأخذ بها اقاطعه ، باعتباره خارج عن الكتاب والسنة . . . طبعاً اتذكر اني جرحت قلوب اخواتي اللواتي كن يزورننا ، فيسلمون علي ولا ارد ، واذا رددت فارد بعنف ، حتى ان واحدة منهن بكت وقالت ماذا يعني هذه المعاملة القاسية هل انني كافرة ، قلت لها انك غير محجبة يعني فاسقة ، وخلطت الحكم بسوء التصرف وكل هذا خلطته في بوتقة العنف واخرجت منه في النهاية دين يخصني ، ادعي انه دين الله .
صنفت جميع من في البيت ، وتحول الامر بعد اصدار الاحكام والاتهامات على الجميع ، بدأت افرض رايي ورؤيتي ، ولمن يأخذ بها اقاطعه ، باعتباره خارج عن الكتاب والسنة . . . طبعاً اتذكر اني جرحت قلوب اخواتي اللواتي كن يزورننا ، فيسلمون علي ولا ارد ، واذا رددت فارد بعنف ، حتى ان واحدة منهن بكت وقالت ماذا يعني هذه المعاملة القاسية هل انني كافرة ، قلت لها انك غير محجبة يعني فاسقة ، وخلطت الحكم بسوء التصرف وكل هذا خلطته في بوتقة العنف واخرجت منه في النهاية دين يخصني ، ادعي انه دين الله .
فحكمت على المناهج الدراسية بالظلال ، وحكمت على المدارس بانها ظالة مظلة ، وان اساتذتها باعوا ضمائرهم لاجل الدرهم والدينار وعرض الدنيا الزائل .
فاختلط الحابل بالنابل ، علاقتي بالجميع سيئة حتى بامام المسجد والخادم والمصلين وطلبة العلم ، فكل يتحزب ويتعصب لفكرته ويولول لها ويطنطن بها ويبكي على ليلاه . .. انها المراهقة ، انه التشتت ، انه غياب الوعي وتفشي الايجو ، انه انعدام الموضوعية ، انها التحيز والتعصب .
وما أن دخلت الى الجامعة الاسلامية ، حتى بدأت السحابة تنقشع ، والرؤية تتوضح ، والطريق يستقيم . وانت تجلس بين يدي العلماء واهل التخصص ، فذلك حدث يربيك ويغيرك من الداخل ويحجمك ويعطيك وضعك الذي تستحق ، فلا ترى نفسك اكبر من حجمها متضخمة متغولة ، ولاتراها متقزمة مهينة لاتكاد تبين .
انت تعرف اين انت ، والى اين تريد ان تصل ، هو عمق النضج ، وتعافيك من المراهقة الفكرية ، وهذا ما ينقصنا اليوم ، ان نتعامل مع الحياة بنضج ووعي ، ولاسيما واوطاننا وشعوبنا واسرنا وابنائنا بل حتى انفسنا احياناً لاتعرف اين هي الآن، ولا الى اين تريد .
المراهقة اذن ليست مرحلة عمرية ، بل هي مرحلة كل مرحلة عمرية ، تغزوها وتغزوك ، تتملكك وتتملكها ، بصيغ عديدة وصفقات وتزاوج والتحام . فتصل بك الى ان تصمم الدين على مقاسك ، والناس على مرامك ، والدولة على مشتهاك والاصدقاء على مبتغاك ، والاعداء على شفرة سيفك وحفرة هاويتك .
حينها يجب ان تعرف حجمك الحقيقي ، والوعي هو الكفيل الوحيد بأن يقدم عنك صورة مستوية واضحة غير مشوهة . . .
لتعرف من تكون ..
وماذا تريد ..
والى اين انت ذاهب ..





