مـدونة شخصية جداً .. عصـارة تجـربة أثْـرَث حيـاتي .. وربـمَّا تُثري حيـاتك

Facebook
RSS

ذاكرة مفخخة

صدق الله العظيم ..

انتهيت من قراءة سورة الدخان ..

هكذا كان يقول خالي " بهجت " اطال الله عمره يوم ان كان يرقيّني ويقرأ عليّ آيات من القرآن الكريم . ولا اتذكر كم كان عمري بالضبط ولكني اخمّن اني لم اتجاوز السابعة من عمري . اذ كنت افزع في الليل صارخاً ، واضل ابكي ، واتصور كأن احداً سيقتلنا ويضربنا بالرشاش ، كيف لا والاجواء ملوثة بالحرب العراقية الايرانية ، والاسماع مليئة بمئات الاخبار التي نراها في التلفاز وحديث البيت المخيف .


اكاد اجزم انه لا احدٌ من العراقيين ينسى " صور من الحرب " ، ولا اتصور انه احد منهم لم تقفز الى ذهنه الآف من صور القتلى والجثث المحترقة والدماء التي ملئت الارض . فهذه البرنامج كان يعرض على شاشات التلفزيون كل يوم ، وملايين الناس ينظرون اليها كل يوم ، ويتحدثون عنها كل يوم ، ولهذا اخاف وافزع من النوم كل يوم .

كان الخوف ياتينا من كل جانب ، ففي يوم من الايام وفي مدرستي الابتدائية اسمها " بغداد الجديدة " وتحديدا في درس اللغة العربية ومعلمته الاستاذة " سبته محمود" ذكرها الله بكل خير، وكنت اقرأ في في مادة المطالعة والنصوص ، قصيدة :

بِيضٌ صَنائِعُنا
سودٌ وقائِعُنا
خِضرٌ مَرابعُنا
حُمرٌ مَواضِينا
لا يَظهَرُ العَجزُ منّا دونَ نَيلِ مُنىً
ولو رأينا المَنايا في أمانينا

وبالكاد انتهيت من كلمة المنايا ، فاذا بصاروخ يضرب المنطقة ويكسر كل زجاج المدرسة على رؤسنا ، ولا تقل اني انا السبب ، بل هي الحرب وانا لست سوى تلميذاً بريئاً لا حول له ولا قوة .

حتى درس الرسم كان حرباً ولكن على الورق ، فكلما طلب منا استاذاً ان نرسم رسمنا دبابات تضرب وطائرات تقصف ونيران مشتعلة ، والرياضة عنف وضرب وتقليد لما نراه في التلفاز من افلام الاكشن ، ناهيك عن درس الدين فكان حثاً على الجهاد ونصرة المجاهدين في المعركة .زد على ذلك درس التاريخ فكان ياخذك من حروب الرومان واليونان والمعارك الاسلامية ومعارك العثمانيين ومحمد علي الى الحرب العالمية الاولى والثانية .

يا الله .. كيف يمكن الانسان ان يرى ويسمع ويشعر بكل هذا الهم والغم والاخبار المخيفة والصورة المرعبة والمعلومات التي ترعش الذاكرة ولا تنعشها ، كيف يمكن لطفل لم يدخل مرحلة المراهقة بعد ان تمطر عليه مثل هذه الاحداث وتتوالي عليه كالفيلم السينمائي ثلاثية الابعاد .

اذكر موقفاً طريفا حصل معي ليلة الاتفاق على وقف اطلاق النار مع ايران ، واذا بالسماء تتفجر بالالعاب النارية احتفالاً بهذا القرار ، فقد كنت نائماً فوق سطح البيت ، واذا بي افتح عيني على ضوء ساطع واصوات الرشاش ، فقد تعود العراقيون عندما يحتفلون ان يطلقوا العيارات النارية ، فيقلبون الفرح حرباً ، حتى الافراح لم تنجو من الحرب .

وفي كل خميس في المدرسة تتم مراسيم رفع العلم ، والتي لا تخلو من اطلاق الرصاص اثناء رفع العلم ، فكنت ارى زملاء لي بعضهم يسد اذنيه وعينيه وبعضهم يختبي خلف زميله خوفاً وهلعاً .

والعرس لا يسمى عرساً الا اذا اطلق فيه النار ، والاحتفال بمنتخبنا الوطني لكرة القدم لا يحتفل به الا باطلاق النار ولايهم اذا ادى ذلك الى موت الناس او الحريق او الاصابات التي تملا المستشفيات ، كل هذا لايهم مادامت الناس فرحانه باطلاق العيارات النارية .

النار والاخبار والحرب والدمار ، كلها تؤكد انك ميت لا محالة ، وان اللص على باب بيتك ، والصاروخ فوق راسك ، والرصاص سيحصد صدرك في اي وقت .

اسالك بربك ايها القارئ العزيز ، بعد كل هذا كيف لا انهض من النوم كالمجنون وكيف لا تتلى على راسي ايات القران الكريم ليطمئن قلبي في عالم غير مطمئن ؟
واخبار واجواء وانواء تنزل عليك كالصاعقة كل يوم ؟
وكيف يطلب من اطفال في هكذا عالم يرسمون مناظر طبيعية والمناظر الطبيعة عندهم كما ذكرت حرباً في حرب ؟
كيف يطلب طفل ان يكون هادئاً في عالم مضطرب ؟
بل كيف يطلب من اطفال ان يتذكروا طفولتهم ، وهي محشوة بالبارود تكاد تنفجر بصاحبها في كل لحظة ؟


[ Read More ]

علمنّي الرسم

كنت في الثالثة عشرة من عمري ، حين احتضن بيتنا ركناً خاصاً بي ، اسمه " المرسم " ، لم يكن مرسماً بالشكل التقليدي اكثر من كونه مكاناً يخص الرسم واللون والفن فقط . ومسافة مترين في مترين ، حجرة بل محجر ، ضمت لحظات جميلة في حياتي ، ونقطة مضيئة لا انساها ابداً ، وقد وضعت فيه كل الاوراق والالوان واللوحات القماشية والكرتونية فيه .

احببت الرسم ولا ادري لماذا ؟ سالت اهلي فاخبروني ان موهبتك وراثية فقد كان عمّي رسامّاً ، ولكنه غير محترف مثل ابن عمتي الذي احترف الرسم والنحت في ايطالياً اليوم .

كنت اتعامل مع الالوان كانها شخصيات مختلفة ، اجمع بينها كاني اجمع بين اثنين ، لذلك اعتقد منذ ذلك الوقت ظهرت بوادر فهم النفسيات والجمع بين الاصدقاء المتناقضين ، وكثيراً ما يسالوني الناس ، كيف تعرف هذا الشخص وتعرف هذا الشخص المختلف تماما عنه ، ويكون الجواب في الغالب ، اقدر هذا وذاك ، كل حسب شخصيته .

اغرمت في رسم المناظر الطبيعية والتي كنت اتفنن تدرجاتها اللونية ، كما احبتت الظل والضوء ، واجد متعة غريبة في رسم المناظر التي تعتمد على المنظور ، كما برعت برسم الشخصيات الكارتونية مثل : ميكي ماوس ، وسالي ، ونيلز .

علمني الرسم ان اكون شديد الملاحظة ، وان انتقي الاشياء المناسبة دائما ً ، وانعكس هذا على اختياري لكلماتي ، ولاصدقائي ، ولشريكة حياتي التي اخترتها من بين كل نساء العالم .

كما علمني الرسم ان باستطاعتي نقل الاشياء تماما ونقلها على الورق ، ان انقل خبرات الاخرين اليّ ، واضفي عليها الواني الخاصة ولمساتي الفنية التي تجعلها بصمتي التي لا تقلدّ .

علمنّي الرسم أن أكون هادئاً وقت العنفوان ، وصابراً في عالم السرعة ، وربما انعكس ذلك على شخصيتي الهادئة المشتعلة ، البطيئة كالسلحفاة والسريعة كالسهم .

من اجمل الهدايا التي حصلت عليها ، هي علب الوان زيتية وفرش رسم رائعة وثمينة من اخي الاكبر " محمد " الذي تاثرت بخطه الجميل وحاولت تقليده في الخط ، والذي كان يرفدني دائماً بالالوان المائية والزيتة ، ولوحات كرتون ملونة .

لقد كانت حياتي مليئة بالالوان والمعجبين ، فقد كنت اعرض لوحاتي في البيت ، وكانت تاخذ تاييد الجميع ، فلا تخلو غرفة من بيتنا الا وفيه اما لوحة ، او منحوت .

لقد تعلمت مفاهيم بسيطة عن النحت من معلمة التربية الفنية في المدرسة الابتدائية " ايفا " التي احببناها حباً شديداً وتعلمنا منها الكثير عن النحت والرسم . ان ثمّة عوامل كثيرة تشكل شخصيتك وتوجاهاتك ، كالاسرة وتشجيعهم ، والمدرسة ومعلميهم ، والوراثة وتاثيرها ، واعتقد ان الثلاثي هذا كان متوفراً ولله الحمد ، والشكر جزيل الشكر ، لاستاذة ايفا ، ولاخي محمد ، ولعمي الموهوب .
[ Read More ]

ضحك ولعب .. وجدّ وحب


اللعب حاجة أساسيةٌ في نظري ، فبه تعلمنا مهاراتٌ عديدة ، وبه كنّا نتسلى ونقضي اوقات ممتعة مع من نلعب معه ، وأنا صغير كنت اتلهف للعب مع الآخرين ، ربما لاني إجتماعي بطبعي ، ولا احب الانعزال ، او ربما كانت لدي رغبة شديدة في الفوز على المنافسين في كل لعبة قائمة على المنافسة الشريفة ، ولكن بكل الاحوال فان هذا يعد مؤشراً جيداً ، لأنه ينمي روح التحدي والمثابرة والصبر في كثير من الاحيان .

ولاني احظى بشعبية كبيرة من قبل أقاربنا وأصدقاء اسرتي ، كنت أحصل على كثير من الهدايا واللعب التي افرح بها واطير متالقاً بها . ولم يكن يلعب معي على الدوام غير أخي الذي يكبرني بسنتين ( علي ) ، اذ كان منافساً عنيداً، ويمتاز بعبقرية وعقلية من العيار الثقيل ، فيغلبني بالعقل ، بينما كنت اغلبه بالحظ .

وليس في كل مرة تسلم الجرّة كما يقال ، فقد كنت أخسر كثيراً وأريد من أخي ان يربحّني بالقوة ، وأن يستسلم لان اللعبة لعبتي ، وهذا المقترح طبعاً غير واردٍ بالمرة عند أخي الذي دائما ينهي اللعبة لصالحة بصفعة على وجهي ، يجعلني أركض كالمجنون الى مدللتي ودفئي بالحق والباطل ( أمي رحمة الله عليها ) ، فاشتكي لها ، ودون أن تعرف لمن الحق ، تنحاز اليّ وتصرخ على أخي وتوبخه وتحذره ان يكررهذا معي مرة اخرى .

اتعرفون ما السر ؟ لاني كنت أصغر العائلة ، وكما تعرفون ان الطفل الاخير يكون مدللاً لا يُرفض له طلباً ، ولكن إياكم أن تتصوروا اني مدللاً لحد التمادي ، فليس لدى امي شيء اسمه تمادياً ، فالجميع يجب ان يسري عليه القانون بالحق ، ولكن ماذكرته عن الانحياز قبل قليل ، كان نوعاً من انواع الحكم بروح القانون وليس بالقانون نفسه .

على ايه حال فان الموضوع لاينتهي بالصفعة ، ولا يقبل اخي بالتوبيخ قدراً عليه ، بل يظل يكيد لي المكائد حتى يحصل على لعبتي الجديدة ، ويجلب مفكاً يفك اللعبة ويفتحها ليكتشف مابداخلها ، ويروي حب الاستطلاع لديه ، على حساب لعبتي طبعاً .

ويبدأ موالاً جديداً ، يبدأ ولاينتهي ، كيف لا وانا اشاهد لعبتي قد اصبحت 25 قطعة مفككة ، ولا اعرف ماذا افعل ، فتقوم امي غاضبة على اخي ، وتقول له : ارجعها كما كانت . ولكن اخي يبستم وبكل برود يقول لها : انها عاطلة واحببت اصلاحها ، ولكن دون جدوى ، ولا اعرف ان ارجعها كما كانت ، فليرميها الى اقرب نفايات .

العابي مصيرها الى الهلاك ، ولا اتذكر انني هنئت بالعاب مثل العاب الذكاء اليدوي والفكري والالغاز ، فانا من اشد المعجبين بالعاب الـ (puzzle ) على الاطلاق . ولا اجمل في ذاكرتي مخزونا عن اللعب والسعادة في اللعب ، الا مع أخي علي الذي قضينا معاً اياماً جميلة ، كلها ضحك ولعب وجدّ وحب.

وحتى يومنا هذا فانا اروِّح عن نفسي بين الفينة والاخرى ، بلعبة تذكرني بايامنا الجميلة ، ولا انسى اني تعلمت من اللعب اشياءَ كثيرة غير المهارات وحب المنافسة ، لقد تعلمت كيف اقبل الخسارة كما اقبل الربح وافرح به . ناهيك عن حب المحاولة والاصرار على النجاح ، ولا اعتقد ان مثل هذه الدروس يقدمها لطفل في مرحلة عمرية صغيرة في السن ، غير اللعب والالعاب .

أقصد العاب الذكاء والتنمية المهارية ، وليس العاب الحرب والقتل والفتك والايذاء ، والتي بات اطفالنا اليوم لايلعبون غيرها ، جاهلين او متجاهلين مخاطرها وانها لا تناسبهم ولا تنفعهم ، واكبر مثال على ذلك العاب القتال في ( play station ) . ففي الماضي كنا نلعب تحت رعاية الاسرة ، دون سب وشتم وضرب ورهان ، غير لاعبي اليوم ، الذين يشرعون باللعبة اصدقاء وينتهون منها اعداء .

عزيزي القارئ لعلك توافقني الرأي ان للعب قوانين تحكمه وثمرات وفوائد تنتج عنه ، وكما تستحيل اللعبة دون قوانين تحكمها ، يستحيل ان نلعبها لغرض العبث وتضييع الاوقات ، دون ثمرات ومخرجات . فهل نعي ذلك كاباء وامهات ، كاسرٍ تعليمية وتدريبية ؟
[ Read More ]

د. محمد بشار الفيضي .. الذاكرة والامنيات

كل الناس ولا ابالغ ، يسالون الاطفال ويقولون لهم ، ماذا تحب ان تكون في المستقبل ، فيجيب بعضهم بـ( الطبيب ) والاخر بـ( المهندس ) والاخر بـ( المحامي ) ، وازعم ان هذه الاجابات ماجاءت عبثاً ولن تذهب عبثاً ، بل إنه غرس حب الطموح الذي يزرعه الاباء في عقول الابناء ، وهذه شيء طيب ، الا اذا اصبح تسلطا ابوياً على الابن فيما بعد ، فيخطف الأب حلمه واختياره ، وترغمه الأم على دراسة شيء لا يرده .

ولن تذهب هذه الاجابات عبثاً كون أغلبها سيظل عالقا في ذهن الطفل حتى ياتي يوم الحقيقة ويقرر ماذا سيختار ، يوم ان يقف على اعتاب الثانوية العامة ( الاعدادية ) والذي يمثل بوابة العبور الى الجامعة ، وبه يتحدد الاتجاه العلمي .

انا ولله الحمد .. حباني الله بابوين رائعين ، وباسرةٍ متفهمة جداً ، اعطوني حرية الاختيار ، وان احتجت الى نصح ينصحوني طبعا ولكن الكلمة الاولى والاخيرة لي . ولا اخفي عليكم كم كان الاختيار صعباً ، وكلما تعددت الاختيارات والهوايات والرغبات ، زاد الامر صعوبة وتشتتاً .

في الواقع تمنيت ان ادرس كل العلوم والمعارف ، وتمنيت ان يكون لدي اعماراً وليس عمرا واحدا ، حتى اتجول بكل ميادين الفكر والمعرفة كما اشاء ، ولكن هذا لن يحدث ، بل لابد من الاختصاص في شيء محدد ، اذ كنت احب الفنون جدا لاسيما الرسم ، هوايتي التي مارستها سني طفولتي ومراهقتي ، وكنت احب العزف والتلحين ، واللذان حال بيني وينهما ، فكرة التحريم التي كنت اعتنقها في الماضي ، فقد كنت احبهما ولكن اعتقد انهما من المحرمات في الدين الاسلامي وان الرزق الناتج من العمل فيهما حرام ايضا . وكنت أميل كذلك الى تعلم اللغات ، ولاسيما اللغة الفرنسية ، التي يسعدني وصفها بـ( لغة البلابل ) ، فلحروفها جرسٌ ، ولكلماتها موسيقى أخاذةً ، تسحْر اذنك وتطربها .

لذلك كنت حائراً، واسال نفسي اين المسير؟ ، وفي اي اتجاه اذهب ، والغريب اني تركتهم جميعاً وتوجهت الى العلوم الاسلامية ، التي احبها وادرسها من المرحلة المتوسطة ، ولكن لم أكن أتخيل أني ساتخصص بها ، وعندما دخلت الجامعة ، وجدت عالماً جديداً من العلوم ، غير الكتب والكتيبات التي كنا نقراها ، والتي يشرف عليها شباب يعدون من انصاف المثقفين ، او انصاف المتشددين حتى ، بل وجدت علماء لم اسمع بهم طول عمري ، يحاضروننا بكل مالديهم من غزارة علمية دفّاقة ، فوجدت جبال العلوم والمعارف تنهال علية دون روية ، مما زاد توقي وشوقي لنهل الكثير والكثير .

ولحسن الحظ ، درستُ (علم الحديث والفقه والاعجاز العلمي ومناهج المحدثين) على يدِ عالمٍ جليلٍ ، هو الدكتور محمد بشار الفيضي ، احدُ اعلام العراق الفضلاء ، رغم صغرسنه الا انه كان علماً في العلم والدين والخلق . فلقد تميزت العلوم الاسلامية حسب رأيي المتواضع بكونها من اصعب العلوم على الاطلاق ، فهي تحتاج الى حضور العقل 24 ساعة ، لذلك كنت ولازلت اقول لاصدقائي الاطباء ، ان مادرسته اصعب مما درستموه في الطب ، ولاتوجد صعوبة في الطب الا انها تقدم باللغة الانكليزية فقط .

ولكن مع هذا كنت اعشقها عشقاً ، كيف لا وانا اتلقاها عن ايدي علماء جهابذة ، متميزون بكل شيء ، فخذ مثالاً على ما كان يميز شيخنا الدكتور محمد بشار ، صوته الجهوري الرخيم ، والذي يطربك عندما يتكلم فياسرك وياخذك الى مايريد لاسيما وهو يختار اطايب الكلام وينتقيه كما ننتقي نحن اطايب الثمر . ولعل اجمل ما استفدته من الشيخ اني اخذت عنه مفهوم السهل الممتنع الذي قراته في الادب من سنوات قبل دخولي الجامعة ، وما امتاز به ادباء وشعراء الوطن العربي كالمازني والزيات ونازك المائكة و فؤاد التكرلي واحمد امين وغيرهم .

فقد كان اسلوبهُ هادراً ، عذباً كالماء الزلال ، و سهلاً ممتنعاً ممتعاً للغاية ، وكان يفتّق في اذهاننا مسائلَ كانت لدينا من المسلمات ، كتحريم الغناء والموسيقى ، والتشدد بتطبيق بعض السنن ، وغيرها من الموضوعات الخلافية ، والتي كان دائما يقول : إنها مسالةٌ خلافية ، ولايطالبنا بان نقتنع بفكرته بقدر ما يفتح لنا افاق الحوار والنقاش والحرية الفكرية .

واذكر للتاريخ ان الشيخ كان اعجوبة وامثولة في حسن الخلق ، فلم اشاهده يغضب مرة لغير الله ، ابداً ، بل كان يقبلُ النقد كما يقبل المديح ، بكل انبساط واريحية ، حتى من بعض الزملاء الذين لايحسنون النقد ، كان يسمعهم ويتفهمهم الى أبعد ما تتصورعزيزي القارئ ، مما جعلنا نحب الدرس ونحب الشيخ ونحب العلم كمحصلة نهائية .

وقد جاء شيخي اطال الله في عمره الى مصر في زيارة لها قبل اعوام ولكن للاسف لم أستطع ان التقي به ، وأن اجلس اليه وأبشره بان مازرعه قد ربا ونما واستوى على سوقه ، وان أُسمعه الحانَ وكلماتَ الاغاني الهادفة التي قدمتها للمنشدين طوال السنوات الماضية . وأشكره من كل قلبي على اضاءاته الفكرية التي فتحت لي مسارات كانت مغلقة دونها ، جعلتني أقرأ أكثر واغرف من المعارف والعلوم على دراية وعلم وضوابط موزونة وفهم اكثر واكثر ، فجزاه الله عني كل خير .
[ Read More ]

والتهبت أقدامي


في أزمة إقتصادية عارمة ، عشتها وعاشها جميع العراقيين إسمها  (( الحصار الاقتصادي )) على العراق ، سنوات عجاف ذاق فيها العلقم من ذاق ، وذاق فيها العسل من ذاق ، إنتصف بها الناس الى غني وفقير ، وفتك بالاخير هذا الحصار كطاعون ينهش لحمه بصورة بطيئة حتى الموت.


وفي هذه الاثناء وأنا ادرس في السنة الاولى في الجامعة ، واجهني صراع مرير، وكان محورالصراع في الجدلية التالية : ( هل استثمر العطلة الصيفية في البحث العلمي ، ام استثمرها في العمل وكسب المال ) . 

ايامٍ وليالٍ ، وأنا افكر في هذا الموضوع ، والصراع يحتدم بداخلي ويشتد، كالحرب الضروس ، ولم أجد بداً من الاستشارة ، فاستشرت صديقين ، فواحدٌ نصحني بان اتجه للعمل وقال لي ان العلم لن يجلب رغيفَ الخبز ، وان العمل في الصيف يخفف عن كاهل عائلتك تكاليف السنة الدراسية المقبلة.

في حين قال الآخر : ان الذي تكسبه من مال سيذهب ، وربما يفك عنك ضائقة عمرها أيام أو أشهر ، ولكن العلم سيبقى معك حتى بعد موتك ، يأتيك أجره وأجر من إنتفع به .

وهنا ... أحسست ان الكرة الارضية قد توقفت ، والصمت هو سيد الموقف ، وكأن صديقي الثاني صب الماء فوق النار فاطفئها ، ولمس الجرح فبرأه باذن الله .

وفعلا قررت أن أتفرغ للبحث ، وقد أخبرت والدي حفظه الله تعالى وجزاه عني كل خير بالفكرة ، وقال : ( ان كنت ستستفيد من البحوث في قابل ايامك ، فانا مستعد لدفع المصروفات) .


واصبحت أذهب مبكراً لمكتبة الجامعة ، وتعرفت على كل العاملين فيها ، وأحببتهم وأحبوني ، وساعدوني في توفير المراجع والمصادر ، وزادت لهفتي عندما بحثتُ في موضوع إختصاصي الذي حملت فيه درجة الدكتوراه فيما بعد ، إلى درجة أمسيت أقفل مع الموظفين المكتبة ، وأغلق أبواب الجامعة ، وأتنقل بين مكتبات متنوعة في العاصمة .



وأرى العيون الرامقات تتجه نحوي أينما اذهب ، وكأن لسان حال الطلبة والباحثين والاساتذة  الذين اجدهم هناك يقول : إنه وفي الصف الأول من المرحلة جامعية ، يناطح الكبار ويبحث ويكتب البحوث ، وسمعتها بالفعل من كثيرين ، وهم يشكرون توجهي هذا نحو العلم والبحث والتنقيب ، فكانوا يقولون لي : اننا لا نعرف شيئا عن البحث الا في مرحلة الماجستير ، وقبلها بحث التخرج الذي يمثل لنا عبئاً ثقيلاً ، وتحصيل حاصل كاي واجب نعمله ونمضي .

لذلك كنت أشعر بالفخر ، وكانت تحوطني هالة من الزهو ، والاحترام الذاتي ، سيما إذا واجهت عقبات ومعوقات ، كنت أتحداها ، فكم من مرة يقرصني الجوع ، فلا استطيع أن أشتري طعاماً ، وأظل جائعا ً اتلوى جوعاً حتى المساء، لان مالدي من نقود لايكفي سوى أجرة النقل .



وكم من مرة أصاب بضربات شمس من شدة وقوفي تحتها منتظراً حافلة نقل الركاب ، في عِزِّ أزمة النقل ، وفي عِزِّ شهر الحر العراقي المعروف بـ ( آب اللهّاب ) الذي يقذف باللهب من فيه ، ويحرق المسمار في الباب ، غير أني كنت افرح وازاد فرحا ً ، الى درجة أحسست في بعض الايام ان حرارة الاسفلت قد أخترقت حذائي ، ووصلت الى قدمي ، فاضحيت أرفع قدم واقف على اخرى ، وبعد قليل أبدلها ، يمنى .. يسرى ... يمنى ... يسرى . وهكذا ، وانا في غاية الفرح والسرور.

هذا غيض من فيض ، ومقتطفات وصور من سلسلة طويلة من المواقف ، أردت من خلالها القول بإن النصيحة يقدمها الاصدقاء جميعاً كلاً بحسب نظرته ، ووجهات النظر المختلفة جيدة جداً ، فهي تريك زوايا الموضوع جميعا لتكتمل عندك الصورة والتصور .كما ان اخذ القرار ، لابد ان يستند الى أساس من العقل ، فاي صراع يجب ان يوضع في ميزان العقل ، وتحسب أرباحه وخسائره جيداً ، ثم تقررما ينفعك .

إن كثيرا من الشباب وللاسف ينظرون الى العلم اليوم ، نظرة الحمل الثقيل والهمّ الذي يدعون الله ان يزحزحه عنهم ، وكان العلم جحارة كبيرة جاثمة فوق صدورهم .

لم هذه النظرة ، ومن السبب فيها ؟ هل فعلاً الازمات الاقتصادية هي السبب ؟ ام صديق السوء هو السبب ؟ أم غياب المسؤول ، مؤسسة كانت أو فرداً ، حكومة كانت أو مجتمعاً ؟
من السبب ؟ ولماذا ؟

ربما انت السبب عزيزي القارئ .. وربما أنا .. وربما كلانا
لا ادري ...
ربما
[ Read More ]

صدّق أو لا تصدّق

حدثني مرّة احد الاصدقاء ، وهو طالب يدرس الطب ، انه ذات مرة قرر ان يخرج من صومعة الدراسة المريرة التي عاش فيها اسابيع بسبب الامتحانات التي خاضها ، فقرر ان يخرج ويقف في باب داره يتنفس الصعداء ، ولم يمر عليه زمناً حتى رآه احد الجيران ، فسلم عليه.

 واخذ يتحدث معه عن طول الغياب ، واخبره صديقنا بدوره عن الدراسة وصعوباتها ، وهو مسترسل في الشرح والسرد ، اذا بالجار يقاطعه هامساً في اذنه عن رغبته في اقامة مشروع معه ، فتعجب صديقنا الطبيب وقال في نفسه ربما مشروعاً يخص اختصاصه ولاسيما كان سياق الموضوع عنه ، فقال له بعفوية تامّة : انا ارحب باي مشروع .


فقال له الجار : اي مشروع اي مشروع ؟

فقال له الدكتور : نعم ، فلا احد يرفض ان يطور من حالته الاقتصادية .

فقال له الجار : الحمد لله ، انا عرفت انك ذكي وستستثمر الفرصة .

فقال له الدكتور : شكرا لك ، اخبرني عن الفرصة اذا .

فاقترب اليه اكثر ، والصق فمه في اذنه ، وقال له : تاتي معي كل ليلة ادلك على بيوت معينة تنشر غسيلها ، وتساعدني في القفز ، وبينما اسرق الثياب المنشورة على الحبال ، اريدك ان تراقب المكان ولن يشك بك احد لانك طبيب والكل يعرفك ويعرفك عائلتك المحترمة .

نظر صديقنا المسكين طويلاً ، وقد اطبق الصمت على شفتيه ، ثم قال له : اتمزح ام انت جاد ؟

فاقسم الرجل انه جادٌ ومتفائل .

فقال له الطبيب ، الخطأ ليس منك ، الخطأ مني ، اذ خرجت من البيت . اقسم بالله تعالى لن اخرج من البيت واقف وقفتي هذه بعد اليوم ، والف امتحان في الطب اهون علي من الامتحان الذي انا فيه الآن .

 ثم تركه ودخل وسد الباب ، وهو يسمع الجار يضرب بالكف على الكف ، ويقول : لاحول ولاقوة الا بالله ، كنت اظنه ذكياً ولكنه تبين انه غبياً .

 فقلت له اعانك الله ، على فرصته لك اولا ، وعلى شتيمته ثانياً ، فقال لي : فليشتمني الف مرة ، لا يهمني ، فانا اصبحت قوياً من الصدمة التي اصابتني ، فما عاد يؤثر فيّ لا شتم ولا سب .
[ Read More ]

أم كلثوم تغّني .. والعراقيون يبكون

عندما كنت صغيرا ، سمعت اخوتي واخواتي في بيتنا يتحدثون عن الأطلال ، ويقولون لبعضهم البعض مارايك بالاطلال ؟ وكيف وجدتها ؟ وكم مرة سمعتها ... وهكذا .

كان حديثاً شبه يومي استمر لاسابيع بل اشهر ، يقولون الأطلال الأطلال ، ويسمعون اغنية الاطلال كل يوم ، والحمد لله انهم لم يسألوني عنها لاني حينها لم اكن اعرف عن ام كلثوم سوى انها سيدة الشرق وان لديها اغنية واحدة اسمها الاطلال .

المهم ان الاغنية بقيت عالقة في ذهني سنوات ، والاهم اني سالت نفسي مرات عديدة، مامعنى كلمة الاطلال يا ترى ؟ ربما سينقدح في ذهنك ايها القارئ العزيز اني ساشرح معنى الاطلال ، فهذا غير صحيح وليس من اختصاصي ، بل الذي يهمني من هذه الكلمة هو اي شخص في الارض يشبه العراقي الذي فارق بلاده وعاش يذكر الاطلال ؟

ستقولون دول كثيرة ، واقول لكم صحيح ، ولكن ان تعددت الدول المحتلة في الارض ولكن الشعب الوحيد الذي يبكي على الاطلال كل يوم هو الشعب العراقي ، ولا اقصد اتهام بقية الشعوب بضعف انتمائهم لاوطانهم حاشا لله ، وانما اقصد ان الانتماء شيء ، والبكاء على الاطلال شيء آخر .

اشتهر العراق بالتعبير عن الحزن بالحزن ، والبكاء واللطم والعويل والصراخ والغضب والنوح سنوات طويلة ، ولعل سبب نكباته هو هذا السيل العارم من الطاقة السلبية التي يطلقونها في الاجواء، فتجدهم يبكون في الافراح كما يبكون في الاحزان ، وهذا عجيب بالفعل ، كيف اذا نجح احدهم في المدرسة ، او راى ابٌ ابنته تُزّف الى عريسها ، او أم يأتي إبنها من سفر ، لا ابالغ اذا قلت سوف ينقلب المشهد من فرح ٍ الى بكائية لاتشهد لها مثيلأ ، تعبيراً عن مايسمى فرحاً عند العراقيين .

أنظر الى الاغاني مثلاً ، من لحنها الحزين ، تستطيع ان تميّز أنها اغنية عراقية بسهولة ، لما في نغماتها اثقال واحمال من حزنٍ ، وكلماتها المتوغلة في أعماق اعماق الألم ، وصدقوني بمقدور اغنية عراقية واحدة ان تصيبَ غير العراقيين بالاكتئاب لاسيما الذين لم يدمنوا الألم مثلهم .

حتى اغاني المهد التي تغنيها الام لطفلها ، تندرج في قسم النعي والرثاء ، اذ تُسمع ابنها الحانَ الحزن وهو صغير ، وتجلس تشكو له معاناتها مع والدهِ وقسوة غدر الزمان عليها ، فيرضعُ الطفلُ الحزنْ كما يرضع اللبَن ، وتجدُ مثل هذا كثير في ادبيات العراق وتراثه الثقافي ، من شعر وغناء .ونجد الشعراء يشعرون بالالم فيجسدونه اشعاراً تبعث على البؤس والاسى ، فمثلاً الشاعر العراقي بدر شاكر السياب وهو في قمة تفائله يتحدث عن الرخاء والمطر ، يقول : مطر مطر مطر ... وفي العراق جوع .

لم كل هذا ، أهو الحب ؟ ام حب الالم ، أم متعة التعاطف ، إذ يحفُّ الباكون كوكبة من الاقرباء والجيران يخففون عنه بينما هو يتعمد الصراخ واللطم والاسى ، فينقلب الموقف تراجيديا سوداء .

شاهدتُ أول أمس برنامجاً على احدى القنوات الفضائية العراقية الحزينة ايضاً ، لفيفاً من العراقيين المغتربين في اوروبا ، وسألوهم عن العراق ، فما كان ردهم الا البكاء والدموع والحسرة والالم ، بل قال احدهم شيئا غريباً ، قال عندما أنسى العراق قليلاً سرعان ما استدرك ذلك فاشاهد الأخبار في التلفاز لكي ارى الناس الذين يموتون فيه كل يوم واظل ابكي حزناً عليهم وشعوراً بآلامهم .

سبحان الله ، ايعقل ان يكون هذا حب ؟ ايعقل ان يكون هذا شوق ؟ حتى تضامنهم بكاء وحزن .

وان كان سيدي القارئ حباً وشوقاً بالفعل ، فلماذا هذا الفعل السلبي تجاه الاطلال ، لماذا هذا الإنسحاب من الفعل الحقيقي مكتفين الاختباء وراء الدموع ؟ لماذ نقف امام الاطلال وكانها مصيراً محتوماً على العراقيين والعراق ؟ لماذا نعيشُ في حقبة الماضي ولا نفعلُ شيئاً للمستقبل ، وحتى الذي يفعلُ يحنُّ الى الماضي واذا جسلتَ تحدثه عن أيام زمان فان دموعه تنهال على خديه كالسيل ، من سرعة الجريان .

حتى من يفعل للمستقبل ويفكر بالمستقبل ، تجده لا ينسى البكاء على مناسبات ماضوية ، تقوم على البكاء والعويل واللطم والنياحة .
وبعد أن عرفنا سرَّ العلاقة بين العراقيين والحزن ، وعرفنا انها علاقة حبيب بحبيب وعاشق بمعشوق، لايفرقهما زمان او مكان ، أصبح واضحاً سبب الحب الخاص لاغنية الاطلال لكوكب الشرق ام كلثوم .

[ Read More ]

القيادة بالحب


زاخرةٌ هي الحياة ، بكل مافيها من حلو ومر ، واتعمد في كل مرة في مدوناتي أن أذكر الإيجابي منها ، بينما أترك السلبي والمرير ليندثر في طي الكتمان حتى يصل الى طي النسيان التي اعدها مرحلة عسرة الوصول ولكن ليست بالمستحيلة . وتعلمتُ أن أفرح ، بالمعاني الجميلة من المواقف التي تحدثُ أامامي وتسجلها عدسة عيني ، وعلى الفور احتفظ بها ربما لانها لامست وجداني فاخذت حيزاً من كياني او لربما لان الزمن الذي نعيش فيه قلت فيه مواقف المروءة . وكما أحببت اليوم في مدونتي هذه ان اذكر لكم ثلاثة شخصيات ، استطيع ان اصفهم بانهم قادة بالحب .

الشخصية الاولى : كان فارساً بحق على اسمه ، جاسم الفارس ، وهو استاذ الاقتصاد الاسلامي المعروف . وأول اطلالة له في صفنا الجامعي ، كانت في مادة الفلسفة الاسلامية ، ولاول مرة ارى شخصية لا تعلم بل تنفتح عقلك للتعلم ، كان يرفض تقليده او موافقته لاراءه بل كان يطالبنا بان نشكل عقولنا وفقا لمفاهيمنا ووفقا لحرية النظر والتدبر التي منحها لنا الاسلام .

كان مختلفاً .. رغم انتقاد الكثيرين له ، الا انه كان وبحق مثالاً وقدوة ومفكراً ترك أثراً في تركيبتي الفكرية اليوم ، ولانني كنت ناشطاً في مجال العلم والبحث الاكاديمي ، كنت اتغيب احياناً عن دروس الفلسفة ، فيفتقدني اولَ مايدخل الصف ، بل كان يتحيزُ لي فلا يسجلني غائباً ، فيصيح البعض هذا تحيزٌ يادكتور ، ولكنه في كل مرةٍ يقول لهم : ( انا اعرف اين يذهب عمار وماذا يفعل ، وانا لا اسجله غائباًً لانه حاضر بالنسبة لي ، بل وجوده هناك حيث البحث والنظر والتدبر افضل من وجوده في درسي ).
ياااااااااااااه ... أيُّ عقلية محبة تفكر بهذه الطريقة ؟ لا استطيع ان اصف لكم مشاعري واحترامي لهذه العقلية التي جعلتني فيما بعد احترم الطالب بعقله لا بعمره ، واحترمه بانجازه لا بتواجده في الصف الدراسي .

الشخصية الثانية : هو الدكتور وليد البدري ، الذي رحل في عقول طلبته في خلجان ووديان ومرتفعات الجغرافيا الاسلامية ، فقد كان في كل مرة يثبت لنا اننا نعيش في عالم كبير لا نعرف كيف ولماذا ومن ؟ ... الخ .
عندما تسمع اليه تجد في صوته نبرة حنونة وحرقة في قلبة على امة الاسلام ، وهو يشرح على الخريطة كيف يذبح ابناء المسلمين على هويتهم ، وكيف يضطهدون ونحن نتفرج .

رغم انتقاد الكثيرين له بسبب تعصبه للعلم الذي يقدمه ويقدسه ، الا انه كان بالنسبة لي اخاً وصديقاً ومحفزاً طوال علاقتي به ، كان يقودُ بالحب والابتسامة معاً ، لايحسسك بانه استاذك ، الا اذا حاولت نسيان دورك المنوط بك في طلب العلم .

الشخصية الثالثة : وهو الشخص الذي علمني التواضع رغماً عني ، فقد كنت شخصية مغرورة نوعاً ما ، كحال بعض الشباب المتفقه والمتعلم ، الذي يصيبهم العجب النفس بما حباهم الله دون فضل منهم .
انه الاستاذ الدكتور عبد المنعم الهيتي ( حفظه الله ) ، فقد كان ينادي طلبته بـ ( حضرتك ، وجنابك ) وهي من أجّل أوصاف الاحترام في التخاطب مع الاخرين .

وكما هو معلوم في العراق ، إن هذه العبارات المحترمة قليلة ولا تقال الا للذوات ، ولايتدوالها العامة من الناس في كلامهم ، رغم انها من حسن الخلق .

دخلَ مرّةً الى الصف فعرض موضوعاً أعجبني وقد قرأت فيه كثيراًً ، وكنت اظن ان لديّ المامٌ واسعٌ به ، فأصابني الغرورحينها ، وقلت في نفسي لا يمكن ان يضيف فوق ما أعلم ، ولكن والله طوال مدة الدرس وهي 45 دقيقة ، ظللت في حالة من الذهول والاندهاش ، ماذا يقول ؟ ما هذا ؟

ايُّ غزارةٍ علميةٍ هذه ؟ ايُّ روعةٍ فكريةٍ هذه ؟ كل هذه الاسئلة كانت تقفز من اليمين الى اليسار ومن اليسار الى اليمين في ذهني وانا استمع اليه .

من يومها عرفت حجم نفسي ، وعرفت أن الحب وحسن الخلق هو أساس العلم ، وان الله لا يعطي العلم الا للمتقين ، وعلى الفور ودون تردد ، ذهبت الى غرفته ، واخبرته بانه عالم ولكنه متواضع لله. ولو كنت املك نصف علمه لما تواضعت ربع تواضعه ، فضحك وقال لي : ( ابني عمار سيكون لك شان كبير ، بالحب والتواضع طبعاً ) ولم اقم من مقامي عنده الا وقد عاهدته وعاهدت ربي ان اكون متواضعاً مطواعاً للفكرة المختلفة ، ومرنا ً لقبول الاخر ايّما كان .

كان الاسلامُ عظيماً .. وهؤلاء من عظماء المسلمين ، الذي وضعوا المسارات الحقيقية في تركيبتي الفكرية ، فشكرا لاساتذتي الكرام .

تعلمتُ القيادة بالحب ، من قادةٍ محبون ، لا يسعني الا ان اقولَ لهم : جزاكمُ الله خيرا ً ، على قيادتكم المحبة ، ساظلّ الهج بذكركم مدى الزمن .

[ Read More ]

د. محمد حمزة ... قائدي الى النجاح

نحيفٌ وطويلٌ .. وفي ظهره ميلانٌ وانحناءْ ، يبدو عليه الإنكسار ، تغطي ذقنه لحية نابتةٌ للتوّ، لم تكتملْ أركانها، يكره العلم المدرسي والتعلم في المدراس ،بل يفضل ان يثني ركتبته على يد شيخ في مسجد يتعلم اصول الدين والفقه والزهد .

ذلك هو انا .. في مرحلة حاسمة من الاعدادية ( الثانوية العامة ) ، حيث اقف على مفترق طريقين : اما النجاح الدراسي ، واما الالتحاق بالجيش . وماادراك ما الجيش .

كنت واقفاً على اعتاب المراهقة ، وعلى الرغم من ان مراهقتي لم تخرج عن حدود المراهقة الفكرية ، التي بصدد الحديث عنها ، ولم تنحرف الى زيغ او شطط والحمد لله .

لكني كنت اكرة الدراسة كره العمى ، لعل ذلك لاني كنت انتمي الى مدٍ ديني في ذلك الوقت ، اقرب الى التشدد منه الى التوسط ، فقد كنت انادي بفكرة غريبة عجيبة ، وهي ( تحريم اخذ العلم في المدراس لانه العلم وضعي وليش شرعي ).

وبكل تأكيد ان اي شخص يفكر بمثل هذه الطريقة وهو يمر بمرحلة المراهقة ، فان ذلك الامر يشكل قنبلة موقوته على المجتمع . الا اني كنت اشكل قنبلة موقوته على ذاتي ، على وشك ان انتهي وتنتهي حياتي الدراسية ، واضيع في متاهات التجنيد الالزامي المرير في العراق .

فعلى سبيل المثال : ياتي امتحان نصف السنة ، وبينما الزملاء ، يوصلون الليل بالنهار بمذاكرة شديدة ، كنت انا قابعاً في غرفتي استغفر الله لهم فعلتهم الشنيعة باهداراوقاتهم في دراسة الاقتصاد الوضعي ، وترك الاقتصاد الاسلامي مرمياً على الرفوف كجثة هامدة ، وانهم يقراون التاريخ المزور بينما التاريخ الاسلامي الناصع منسياً .

إضحك او إبكي ، عزيزي قارئ هذه السطور ، اياً كان ردُ فعلك ، فانها كانت حقيقة افكار اعتنقتها في حقبة من الزمن .

ولان الله لطيف بعباده ، حباني الله بثلة من الاصدقاء الصالحين ، يحيطون بي ويحبوني رغم افكاري هذه بل يعبتروني احيانا شيخهم لتفوقي علهم بدراسة العلوم الاسلامية .

ومن بين هذه الصحبة الصالحة ، إانبرى شخصٌ ، تبرَّع بلْ تشجَّع كي يقتحمَ عقلي ويناقشَ افكاري التي شكّلت بها سداً منيعاً أمام الناقدين ، ودرعاً حصيناً ضد الذين يسدون لي نصائح دراسية ومستقبلية ، خافيا بهذه السطوة والسلطة ، خيبة املي في الصراع مع النجاح والخوف من الفشل .

سانجح ؟ ام سأرسب ؟ وهل سأترك العلم الشرعي، وأدرس العلم الوضعي الذي وضعه البشر؟ كيف ؟ هل هذا صحيح ؟ ام هذا خطأ شائع يفعله كل الناس ؟ ؟؟؟؟

كل هذه الاسئلة كانت تدور في عقلي الصغير . حين اقتحمها الفارس المغوار الذي غير حياتي تجاه الدنيا ، وادار بوصلتي نحو النجاج ، ذلك هو ( الدكتور محمد حمزة ) ، الذي اصبح طبيباً للاسنان فيما بعد ، ويعيش ويدرس لنيل درجة الماجستير في طب الاسنان في ولاية كنتاكي الامريكية حالياً .

شخصٌ عجيبٌ ، وكفاءةٌ منقطعةُ النظير ، فقد كان صديقاً صدوقاً ولا زال ، يرفدني بالجديد في عالم العلم والمعرفة كل ماسنحت الفرصة ، فهو شلالُ عطاءٍ لا ينقطع ، ونهرُ علمٍ لا ينضب .

لقد ااستطاع أخي محمد حمزة ان يجيبني عن كل الاسئلة الحائرة التي خالجت فكري ونازعت ْبعضها بعضا في اعماقي ، لقد رتب لي الاشياء ، وعلمنّي كيف اضع الاولويات ، وحل لي العقد ، عقدة عقدة ، وعلمنّي بان الدراسة الاكاديمية هي سلم للوصل الى اعلى الشهادات الجامعية في العلم الشرعي وغيره .
واعطاني الادلة الواضحة بان العلوم الانسانية كلها شرعية لما فيها خدمة الناس ، وكون ان القران منهاجا للحياة ، فهو منهاج نجاح لا يتم الا بالعلم ، ومالا يتم الواجب به فهو واجب .

وانا هنا الآن ... اكتبُ هذه الكلمات في حق هذا الانسان الرائع ، ولوانفقت حروف العربية كلها بكل تراكيبها بل بكل جمل لغات الدنيا على ان اشكره الشكر الذي يستحق لما استطعت ، ولكن لعله يشفع لي حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ((
من قال لاخيه جزاك الله خيرا ، فقد ابلغ في الثناء )) .

فاقول لاخي وصديقي ومعلمي واستاذي ، جزاك الله خيرا ، فقد كنت كبيراً وستبقى كبيراً ، نفع الله بك اخي الحبيب ، ووفقك الله لكل خير ، فبفضل الله عليّه ثم بفضلك اصبحتُ افضل ، واصبحت أحمل شهادة علياً .

وفي الختام أقول : إن كانتْ أمي (
رحمها الله ) علمتني حب الله تعالى ، فان د. محمد حمزة (حفظه الله ) علمّني حبُ النجاح

[ Read More ]

عاصفة الدم ( ج2)

ترددت كثيراً قبل أن اكتب عنه ، ذلك ليقيني بان كل كلمات الدنيا لن تفيه حقه ، ولو كتبت من الأن الى يوم القيامة لن اصف جزء من الف جزء من اخلاقه ، فمارأيت في حياتي رجلاً يحمل الأخلاقَ كما يحملها ، ويبثها كالعطر بين الناس كما يفعل.

عرفني عليه صديق لي في المسجد ، واخبرني بانه رجل يحب الشباب وصاحب همة عالية، فرايته رجلا كبيراً في السن عنا قليلاً ، ومنذ ان صافحته ووضعت يدي في يديه حتى دخل في قلبي .

ومن هنا بدأ مشوار الصداقة والأخاء ، فبعد الغزو الأمريكي على العراق كنت على وشك مناقشة رسالة الماجستير ، ولكن للأسف لاكهرباء ولا مكاتب طباعة موجودة ،فكلها اغلقت ابوابها ، ولكن باب الله لايغلق ابداً فانظروا ماذا حدث .

وصل الى مسامع صديقنا أنني في ازمة ، فجاء اليّ من ذاته بدون ان اطلب منه مد يد العون ، طلب مساعدتي وطباعة الرسالة في بيته لان لديه طابعة ، فاخجلني بكرمه واخلاقه ، فاعطيته الرسالة في دسك .

وجلست في البيت وكلي فرح بهذا الموقف العظيم ، ففاجأني بمجيئه سريعا ً ، فسالته ماذا حدث ؟ هل انهيت الطباعة ؟
فاخبرني بان الدسك يبدو فيه فايروس ولايريد أن يعرض محتوياته ، فطلبت مساعدة صديق لي يعرف فنون الحاسبات وجنونها ، فذهب معه الى البيت وطبع الرسالة ورجع بها الي وقدمها لي .

صدقوني ربما يرى بعض الناس ان هذا الموقف طبيعي جدا ، ولكن لو تعرفون أنه أغلق محل عمله لاجلي وأنه أنفق مايقارب 50 دولاراً يومها على الطباعة وبنزين سيارة ، لان البنزين آنذاك كان غالياً جداً بسبب الحرب.

مرت الأيام بساعاتها وزاد الحب بيني وبين هذا الصديق ، فزرته للبيت وزارني وتبادلنا الأحاديث بشجونها وفروعها وضحكها وبكائها ، وأحببت أبنائه الذين كانوا اقماراً بجمالهم وطلعتهم البهية ، وهكذا ابوهم ذو الوجه المستنير بنور الأيمان والتقوى.

وفي نهار غائم حدث مالم يكن بالحسبان ، تم اعتقال صديقنا الى سجون اياد علاوي رئيس الوزراء في العراق زمن الأحتلال ، وتم تعذيبه بأبشع أنواع التعذيب التي لا أريد أن أخبركم بها حتى لا أزيد حزنكم حزناً ، وظلت عيوني تذرف عليه الدموع ويدي الى الله مرفوعة بالدعاء ان ينجيه من العذاب .

وبعد أشهر سوداء عصيبة أفرج عنه مع إعتذار بالأشتباه ، خرج صديقنا وعليه آثار التعذيب المر الأليم ، زرناه للبيت أنا ومجموعة من الأصدقاء ، ففرح جدا ً واشعرناه بالدفء والحميمية بوجودنا ، فكان دمي الخفيف قد فرض سطوته على اجواء اللقاء ، فاضحكناه وافرحناه وانشدنا له اناشيد اسلامية حمداً لله على سلامته .


وعندما أردنا العودة للبيت ، أصر إصراراً عجيباً بايصالنا بسيارته شخصياً وقلنا له انك متعب جدا ً ونرجو ان تريح نفسك من المشوار ، فابى الا ان يوصلنا الى البيت ، فاوصل كل شخص منا الى بيته وفي الختام رجع الى بيته .


وبعد يومين رجعت من الجامعة وكنت اكتب اطروحة الدكتوراه ، فعدت ومعي 10مجلدات احملها بحقيبتين كبيرتين الى البيت ، وأنا في هذه الحال وصلت الى البيت وقبل ان أدخل اليه ، نادى عليّ صديق لي أتاني يلهث ويرتجف ووجهه أصفر مشحوب ، فقال لي: (( لقد مات ابو حارث))


فسقطت الكتب من يدي وتناثرت على الأرض في لحظة احسست ان الكون توقف وان لاشيء فيه الا الألم .


الألم الذي بدا وكانه بركان يتصاعد من اسفل قدمي الى رأسي وأحسست أن الدموع تجمعت في محجر عيوني ويجب ان أبكي بسرعة قبل أن ينفجر الدمع في عيوني أو ربما تنفجر عيوني قبل الدمع.


فاستندت الى الحائط وخانتني قدماي فلم تحملاني فجلست أبكي بحرقة وانا مصدوم او قل مشلول او قل مذ ، وبكيت وبكيت وبكيت اياماً وليالٍ طوال ، ولكن الذي جعلني اصبر واستفيق من حالتي هذه هو اني احتسبته قد مات في سبيل الله ، وانه مات مظلوماً ولم يمت ظالماً ، مات وهو رجل الأخلاق بحق ، رجل والله اعجز عن وصفه ، ولكن يكفيني انه كان في عالمنا شخص مثله ، وان الله كتب لي ان التقيه واتعرف عليه ، انه الصديق والاخ الرائع " احمد عبد الله القيسي" رحمه الله عليه.


ولو كان بالامكان ان يصل صوتي الى مسامعه لهمت له ابشره باني اتممت درجة الدكتوراه واني اهديت له ، واني رايت بحقه رؤيا صالحة ، وكأنه يعيش في المدينة المنورة بقرب الحبيب سيد الاخلاق (محمد صلى الله عليه وسلم )وانه لازال عائشاً ولم يمت ، ولبشرته بان صديقنا " محمد هاشم " قد عمّر له عمرة في سبيل الله ، ولاخبرته باننا اشتقنا اليه كشوق الضمآن للماء … وشوق المخنوق للهواء .


رحمك الله ياأبا حارث وتقبلك في الشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقاً .

[ Read More ]

عاصفة الدم ( ج1)

لم اتخيل للحظة انه طيب القلب لهذه الدرجة ، وانه مسالم لهذه الدرجة ، صحيح ان شخصيته القوية تخفي وراها طفل صغير ، ولكن كعادتي اقتحم ولا اخشى رد الفعل، فقررت ان اتعرف عليه واعرف من؟ ومتى؟ ولماذا؟ الى اخره من علامات الاستفهام وادواتها .
كان اسمر اللون لطيف المعشر ودود ، له ابتسامة اخاذة ، ذو شارب عريض وكتف ممتدة ، لا اذكر بالضبط الموقف الذي تعارفنا فيه على بعضنا ، ولكن اتذكر اننا كنا جيراناً ، فقد كان في شعبة دراسية مجاورة لصفنا في الجامعة .

كان منبهراً بعقليتي كما كان دائما يقول ، وانا منبهر بغموضه ، كنت اصغي لمايقول وكان كثير الشكوى من والده ، اذ لايجد جسراً يوصله اليه. و
كان يقول ان ابي اجبرني على الدخول لهذه الجامعة ، وانه لايسمعني ، وانه يجبرني على ان افعل ولا افعل ، كان يحب التحرر من القيود ، كما كان يسميها .

بقينا اصدقاء دراسة ، لكنه اخفق ان يكمل المشوار ، فذهب الى حيث لا ادري ، وانتهت ايامنا التي كنا نخرج من الجامعة الى بيته حيث يعزمنا وثلة من الاصدقاء على الغداء ، وانتهت اخباره ولكن … لم ينتهي شوقي له ، فكنت احرص ان اسال اقاربه الذين معي في الجامعة عنه فيخبروني باخر الاخبار دون ان يعرف هو هذا الاهتمام .

وبالتاكيد لم يكن وقتها هناك موبايل لنتواصل بشكل دائم ، ولكن مرت الايام وسمعت انه تزوج ، ثم قابلته بعد سنة من زواجه فاخبرني بانه انجب بنتاً جميلة ، ثم بعد انقطاع 3 سنوات رايته وقد اخبرني بانه طلق زوجته بسبب مشاكل عائلية سببها ابوه ايضاً .

وبعدها انقطع اي خبر عنه تماما ، اتعرفون ماذا اعني بكلمة تماماً ، يعني البتة ، فبعد سنين من عاصفة الدم التي اجتاحتنا في العراق ، اخبرني قريب له بان عبد العزيز قد لفه الموت فقد قتل مغدورا في ديالى على يد المليشيات التي توزع الموت بالمجان على الناس.
ومن ذلك اليوم وحتى الان ، كلما اتذكرك ياعبد العزيز يلفني الصمت والهول ، فقد كنت اشعر بان العالم بوجودك سيكون اجمل ، لماذا ؟ لا اعرف .
رحمك الله ياعبد العزيز رحمة واسعة ، وصدقني اتذكرك بالدموع والحزن واتذكرك بكل خير ، فقد كنت صديقاً طيب القلب واعطيتني دون ان تدري معانٍ جميلة في الصداقة والاخاء .
[ Read More ]

دموع رمضانية

ثلاثة رمضانات في حياتي ، قلبت حياتي راسا على عقب ، فالاول هو اول شهر اصوم فيه واتذوق فيه طعم الايمان ، وكنت حينها في مقتبل حياتي ، وسمعت عبد الباسط يقرأ القرآن ( الختمة ) قبل الافطار فذرفت عيوني بدموع الخشوع والقرب من الله واقشعر جسدي لتلاوة القران ولمحبة الله وتعظيمه في قلبي ، وكان اليوم الاول لرمضان وامي رحمها الله في المطبخ تستعد لكي تعد طعام الافطار للاسرة .فكانت مشاعر جياشة وملائكية ، وقد اسميت رمضان هذه السنة بشهر الايمان.

اما ثاني رمضان فقد انقلب فيه حياتي يوم ان عشته صائما قائما انظر الفرج ، وانتظر الفرح ايضاً ، ادعو الله ليل نهار وعيوني غرقى بالدموع واكفي تعلو بالابتهال والتضرع ، ياالله اجعلني أُقبل في الماجستير ، وقد عشت حينها اياما ً ختمت فيه القران لامي وكانت حينها على قيد الحياة ، وتدعو الله لي اكثر مني لكي يحقق امنيتي ، فكنت اقول لرب العزة (( اللهم استعملني ولاتستبدلني )) ، فدراسة الشرع والتخصص فيه امر احبه واعشقه واتمناه ، وفعلا ً تقبلني الله وقبلت لاكمل درجة الماجستير. ولم تسعني الفرحة وقد اسميت رمضان هذا بشهر الرحمة.

اما ثالث رمضان فقد عشته بالدموع ، يوم ان هاج شوقي بفراق من احب ، وهاج شوقي املاً في قربه ، كان رمضان الالم والامل بنفس الوقت ، فساعات الحيرة والفراق ربما تنقلب الى ساعات فرح وحب ابدي ، اطوي فيها صفحات سوداء ومؤلمة في حياتي .

كنت كل افطار اقترب من شباك الغرفة واطل براسي الى السماء وبيدي تمرات ادعو الله ان يجمعني بالحبيب ، وما ان اكمل دعوتي حتى تنزل دمعتي وتحفر خدي وتمتزج حلاوة التمر بمرارة الدموع .

وجاء اليوم الاخير من رمضان وكنت انتظر صباح الغد وهو اول يوم للعيد ، احتفلت بالعيد قبل كل الناس ، فقد جاء الهلال اليَ ورايته بأم عيني واحتضنته وقبلته وكأنني ولدت من جديد ، سجدنا لله شكراً على اللقاء بعد الفراق ، وعلى لذة الحب والعناق . لذا اسميت رمضان هذا بشهر الحب

لاشك اني استفززت فيكم الذكريات ، وتذكرتم شهر الخير وماممرتم فيه بمواقف ومشاعر واحداث ، لعلكم تقولونها اول مرة ، لذا اود ان تكون مدونتي الصفحة البيضاء الواسعة التي تحتضن اقلامكم ، اكتبوا تعليقكم وانا بانتظاركم .
[ Read More ]

الفلس الحرام يأخذ ألفاً من الحلال

ربما يعرف الجميع هذه القصة ، وهي تدور حول شخص كان يجلب لامه كل يوم نقوداً ومشتريات وكانت لا تسأله عن مصدر هذه النقود ، حتى جاء الوقت ليتحول هذا الشخص من سارق هاوٍ إلى مجرم محترف فالقي القبض عليه وحكم عليه بالإعدام.فكان كالمعتاد يطلب المعدوم شيئا أخيرا يتمناه كآخر أُمنية تتحقق في حياته ، وطلب أن يرى أمه قبل أن يعدم ويموت ويترك الحياة .

وفعلا جاءت أمه وقال لها أريد أن اقبل لسانك ولكن بدل من أن يقبل اللسان قطعه بأسنانه الشرسة ، بصورة عنيفة ودموية جعل الأم ترفس من الألم وتتلوى من فضاعة الشعور ، وحينما سألوه لماذا فعل ذلك قال : إني قطعت اللسان الذي لم ينصحني مرة ولم ينهاني عن السرقة ولم يسألني من أين اجلب الأموال والنقود .

هذه القصة يا إخوتي وأحبتي أثرت فيّ بشكل لا يوصف ، وعلمت أن للأب وألام دور مهم في نصح الأبناء ولهذا تعلمت منذ الصغر من أمي ( رحمها الله ) ما يجعلني أسير بخطى مستقيمة إلى يومنا هذا ولله الحمد والمنة ثم لامي الفضل والشكر.

قالت أمي لي ولإخوتي مراراً كلمة في هذا الشأن جعلتني وأنا صغير أفكر فيها ليل نهار وأراقب الأحداث لاكتشف صحة هذه الكلمة واختبر حقيقتها ، أتعرفون ما هي؟

( الفلس الحرام يأخذ ألفا من الحلال ) ، إنها كلمة لو كتبت بماء الذهب لما أعطيت حقها والله ، فقد مرّت أمامي أحداثاً شاهدت فيها بأم عيني إلى أي حد هذه المقولة صحيحة ويشهد لها الواقع والتجربة والمشاهدة.

الفلس الحرام الذي يدخل الجيب ، ربما تدفع أضعافه إلى الطبيب إن أصابك مرض أو أصاب احد أولادك لا سمح الله .

والفلس الحرام قد تدفع أمثاله إلى المصلحين حين تتعطل أجهزة بيتك مثلاً ، فلن تفوت عقوبة السارق أبداً في الدنيا أو في الآخرة.

منذ طفولتي وترن كلمة أمي هذه في أذني ، وعرفت منها إن الذي يريد أن يعلو شانه ويشعر بالسعادة ويرتاح بحياته لابد أن يدخل الحلال جوفه ويسلم من الفلس الحرام جيبه.

وأدركت ولازلت أدرك ، كم هو فضل أمي رحمها الله علينا ، حين غرست فينا الاستقامة ومعرفة الحلال والحرام وخشية الوقوع في الإثم

كم أنا ممتن لك يا أمي ، جزآك الله عني كل خير ، جزآك الله عني كل خير والله لا أنسى روعة مقالتك وجمال حكمتك وبلاغة وعظك وحسن أشغاف القلوب وإيصال المعرفة في العقول وطيب المعشر في المجالس.

لا أنسى بأنك الأم والصديق ، والأب والرفيق ، ولن أنسى بأنك الدنيا والآخرة معا ً ، رحمك الله رحمة واسعة وأدخلك فسيح جناته ورزقك بالفردوس الأعلى وفوقه عرش الرحمن …. آمين.

[ Read More ]

أنت انسان … قبل اي شيءٍ آخر

كثير منا يستنكف من ادميته وبشريته واقصد فطرته التي خلقها الله فيه ، وكثير منا يلجأ لنكران فطرته وعفوية بالتكلف ولبس الاقنعة ، فتراه مرة يلبس قناع الاب ، ومرة يلبس قناع الزوج ، ومرة يلبس قناع الغني والمترف ذو النفوذ الواسع ، ومرة يلبس قناع القوة وهو في داخله ربما اضعف من ضعيف.

الكل يخاف الظهور على العلانية الا من رحم الله ، ومَدَّهُ رب العزة بشجاعة بالغة وظهر بدون رتوش ومكياج واصباغ والوان .

أذكر ان الفنان محمد منير ذو الشعبية العريضة سالوه ذات يوم لم لاتضع مكياجاً ؟ فأجاب قائلاً : "انا محمد منير لماذا ابدو غير محمد منير" .

ومن زمن بعيد احب العفوية واكره التصنع ، مما دفعني أن أبحث عن الناس الذين يشبهونني بهذه الصفة ، وقد واجهت فعلا شخصية رائعة وقدوة بالغة ، كان يدرسني اللغة العربية في مرحلة الاعدادية .

أشيب الشعر ، لطيف المنظر ، أنيق ، متواضع الى أبعد حدود ، كان لايخفي انسانيته ابداً ، بل بكل مرة أجد أنه يضع كل شي جانباً ويقدم انسانيته للطلبة ، اسمه الاستاذ عبد الجبار.

ولاسيما معي شخصياً فقد كان ودوداً لدرجة ، فمرة وفي العشر الاواخر من رمضان كنت أشد العزم على رصد هذه الايام بالقيام والتهجد حرصاً مني على ليلة القدر.

وأكثر الدارسين يعرفون ان هذه الفترة فترة امتحانات ماقبل نصف السنة ، ويتحدد فيها مصيرك كطالب حتى نهاية العام . وشاهدنا من القصة اني سهرت للصباح للتهجد وكان اليوم الذي يليه عندي امتحان لغة عربية .

فلم انم طبعا وذهبت بعد الفجر للمدرسة ، وحين جاء وقت الامتحان لم ادخل الدرس ، بل وقفت عند الباب الى ان وصل الاستاذ عبد الجبار ، فقال لي ادخل ياعمار لم انت واقف هنا ؟.

فدار في ذهني حوار داخلي ، ياترى هل أكذب عليه واقول له كنت مريضاً كما كان يفعل الكثيرين من الزملاء ؟ ام هل أصدق معه القول والنجاة في الصدق واخبره بالحقيقة ؟

والله ثم والله لولا أني أتلمس بهذا الرجل روح الاخوة الصادقة والرفق والحنو فما تجرأت بان أقول له لن ادخل قاعة الامتحان .

نعم … قلت له لن أدخل للامتحان ، لاني كنت في المسجد طول الصباح اصلي … ظل الرجل مندهشاً لبرهة … ثم قال : وهل يمنعك هذا من الامتحان ؟

قلت : نعم لاني لم اقرأ شيئا ً .

قال : حسناً اذهب فسوف امتحنك مرة اخرى وقت ماتكون مستعداً .

احسست بكلماته هذه ، ان ماءً بارداً نزل على صدري البركاني المتاجج .

نسي الاستاذ سلطته عليّة ، ونسي أنه قادر على منحي ( الصفر ) بمجرد ( شخطة ) قلم ، وتذكر بانه انسان ، يحب الله ويحب الناس ويقدر الصدق .

ذهبت الدنيا بايامها ، واستمرت الحياة ، ولكن … لن يتمكن احد من محو هذه الذكرى الجميلة من فكري ، ولن يشعر احد بمثل ماشعرت من رجل احب أن يكون انسانا ً قبل ان يكون شيئاً آخر.

ياترى وبعد سنين ؟ هل اذا كنت في موقف مشابه ساعمل مثلما عمل استاذي عبد الجبار ؟ أم ساعيش الدور والفوقية على الاخرين والبس قناع السلطة .

أعتقد ولا أزكي نفسي باني سأكون مثل استاذي … والفضل لله … ثم لاستاذ عبد الجبار الذي غرس في داخلي معنى جديد لم اعرفه قبله … الاحساس بالاخر مهما كان .

أضف الى مفضلتك
[ Read More ]

كتاب غيَّر حياتي



 كانت الحرب على وشك ان تقف على اقدامها وتشتعل بغداد بل كل العراق باللهب والنار في حرب الخليج عام 1991 م ، وقررنا ان نذهب الى بيت اختي في مدينة صلاح الدين، حيث كان من المؤمل ان تكون الحرب هناك اخف حدة واقل شرراً.

 عشنا في بيت اختي بضيافة زوجها اللطيف ابو محمد ، وكان بمثابة الاخ الاكبر لي بالفعل ، وكان في هذه الفترة قد ظهرت صحوة اسلامية في العراق ، بدت بوادرها واضحة على ابي محمد ، مما دفعته الى قراءة كتب الدين الاسلامي واقتناء كتب كثيرة ، من شأنها ان تصنع له مكتبة ضخمة فيها المئات من الكتب ، امهات المصارد والمراجع.


 وانا في الثالث متوسط وهاجس امتحانات البكلوريا يراودني ويطاردني ، وجدت مايطمئنني وسط الحرب والماساة ، وجدت في المكتبة العملاقة هذه ، مسلاتي وواحة راحتي بعد المشقة طوال الصباح فكنا نجلب الماء من مسافات شاسعة لاجل الشرب والطبخ والغسيل .


 ورغم انقطاع الكهرباء طول الوقت في اثناء الحرب ، وعدم وجود النور للقراءة ، كنت لا اجد بداً ووقتاً ان التمس العلم في الليل على ضوء المصباح الزيتي ( الفانوس) الذي وقف ومايزال يقف موقف البطولة في كل بيت عراقي.


 وجدت نفسي مع الكتب ، اقلبها .. اقرأ فهارسها ، اقرأ مقدماتها … مرة اقرا بامعان ومرة اقرا بسرعة ، املا في التعرف على طبيعتها ومحتوياتها وتخصصاتها وما جمعت من كتب وموضوعات.


 فسبحان الله عثرت على كتاب هو الشرارة الاولى في حياتي بالفعل ، وجعلني اختار الاسلام ديناً ، اعيش له ، وانشر دعوته ، واحارب لاجله ، وافنى حتى يظهر وتعلو رايته منائر الارض والسماء.


 هذا الكتاب للمؤلف عبد الرحمن الرفاعي ( حفظه الله ورحمه في الدنيا والاخرة ) إسمه ( الـنفوذ اليهودي ) ، وبدات اقرأ الكتاب ومنذ الوهلة الاولى وجدت نفسي مشدودا بعمق ولا أود مفارقة الكتاب ابداً ، وفعلاً قرأت وقرأت فيه حتى انتهيت منه ، ثم قرأته مرة اخرى ، ثم مرة ثالثة ، ووالله لو اني حصلت علية اليوم لقرأته بلهفة وبشوق ولاستمتعت به كما لو اني اقراه للمرة الاولى .


 كشف الكتاب بفصولة المنوعة عن امور كثيرة وشرح كيف بدأ التغلغل اليهودي بمفاصل الحياة بغية الطعن وتنفيذ الخطط الرامية لهلكة الاسلام وتدميره ، ومن هنا فهمت ان الدنيا ممسوكة بحلقات وخيوط بيد اعداء الاسلام اليهود.


 وأوضح كيف أنهم اشعلوا الفتن في عالمنا الاسلامي ، وكيف يستخدمون النصرانية كسلاح ضدنا ، وكيف انهم استغلوا الاعلام ودور الاعلام في التاثير سلباً بعقولنا كنوع من الغزو الفكري.


 هذا الكتاب هو الذي قلب حياتي ، نورها ودفعني باتجاه التدين وطلب العلم والدعوة والتخصص في الدفاع عن الاسلام ومناقشة شبهات خصومه والرد عليها، ودفعني الى الاعلام بوجه الخصوص .


 هذا الكتاب الذي جعلني أفهم مالذي يجب أن افعله لنصرة الدين ، إنه الكتاب المؤثر ، إنه كتاب فعّال ، انه كتاب غير حياتي وجعل عندي هدف واضح وطموح لامحدود.
 ولكن ياترى؟ ….


 كم كتاب قرأته وأثَّر فيك كما أثَّر هذا الكتاب فيّ؟
[ Read More ]

المعلم المخلص … والديناصور

رن الهاتف .. ترن ترن

- الو من معي .. هكذا سالتها اخي

- أجابت : أنا ست ظمياء معلمة اللغة الانجليزية

كنت في السادس الابتدائي وعشقتها … ليس كانثى ، ولكن عشقتها كمعلمة فاضلة مخلصة وكقائدة وسيدة قوية ، عيناها الزرقاوتان جميلتان حين تضحك ومخيفتان حين تغضب. وجهها المدور الابيض كقطعة الجبن ، وشعرها البني المفتول الجميل يخفى خلفه سيدة قوية الشخصية ثابتة الجنان لاتخطئ ولاتحب ان نخطئ. إنها مدرسة اللغة الانجليزية ، التي راهنت عليَّ وعلى زملائي في الحصول على أعلى نسبة نجاح باللغة الانجليزية في إمتحان البكلوريا.

كانت معلمة مثابرة حقاً علمتنا المذاكرة وحب اللغة ، شجعتنا حينا وخوفتنا حينا آخر، إنقسم الصف بين محب وكاره لها، فمن كان متفوقاً في الانجليزية يحبها ومن يكرهها فهو حتماً يكره اللغة ومعلمة اللغة. جاءت إمتحانات نهاية السنة الوزارية كأنها الرعد القاصف والاعصار المدمر ، بحيث كنا نقرأ ساعات طويلة .ذهبت الى الامتحان ونظرت الى الاجواء وقد تغيرت برمتها ، لا الوجوه نفس الوجوه ولا المدرسة نفس المدرسة كلهم غرباء إلا ورقة الامتحان والقلق ومغص الامتحان المعتاد .

نظرت الى اسئلة الامتحان فرأيت وجه "ست ظمياء" في الورقة ، وهي تبتسم فتشجعت وشرعت بالكتابة وبالاجابة وانا اتذكر كيف بدءت هذه المغوارة المشوار معنا من بداية العام حتى هذا يوم الامتحان املاً في تحقيق النصر بنا .وخرجت من الامتحان وتسائل بعضنا بعضاً عما أشكل علينا من الاسئلة ، وكالعادة أناس تفرح بحل السؤال واناس تحزن لانها كتبت اجابة خاطئة.

رجعت الى البيت بعد يوم مرهق وشد اعصاب لايوصف ، ودون ان اعلم جاءت اختي مهرولة وهي تصيح باعلى صوتها بأن عمار اصبح مشهوراً لدرجة أن معلمته المعروفة " ست ظمياء " تتصل شخصياَ لكي تطمئن على إجابته بالامتحان. اي زهو وفرح غمرني في هذه اللحظة وعيون أهلي المبتسمة تغبطني وتفخر بي وكان لسان حالها يقول : ماشاء الله … لقد اصبح عمار ذو شان كبير. واصرت " ست ظمياء" على مهاتفتي شخصياً ، وسالتني عن بعض الاسئلة التي ربما تكون صعبة عليَّ ، وطمنتها بان إجاباتي كانت صحيحة ، وأنتهت المكاملة ولم ينته صوتها ، فقد ظل يرن في أُذني ، وأمل النجاح يقرع اجراسه في داخلي .

ومرت الأيام … يوم بعد يوم … اخذنا النتائج … تفوقت وزملائي … وحازت المعلمة على اعلى درجة نجاح بالرصافة ، ونالت ماتستحق من اخلاص في عملها .

واليوم وانا اكتب هذه المدونة يداهمني سؤال مهم…

لماذا تذكرتك أنت بالذات ياست ظمياء ؟

كم اصبح نادرا من هم امثالك

كم شخص مثلك يتقن التخاطب العاطفي والوجداني ، كم شخص مثلك يهتم بالطلاب كما اهتممتِ بنا ؟

ياست ظمياء … يا كل من يسمع صوتي وصرختي …

هل راح زمن المعلم المخلص ياترى؟

هل إنقرض المعلم الكفوء كما انقرض الديناصور؟


[ Read More ]

مـات … فـ … طالت كراعينه

كان رجلاً مميزاً ، جاحظ العينين ، أجش الصوت ، كبير المنخرين ، مفتول العضلات ، يحتسي الخمر بدل الماء ، لذا كان سكيراً من الطراز الأول ، إنه جارنا.

كل يوم .. نعم كل يوم لابد ان يضرب زوجته ، ونسمع صراخهما يصل الى سابع جار ، تحط عليك الشتائم وأقبح الأقوال مثل المصائب ، وتنزل عليك كالصواعق ، فيجرح قلبك قبل أن يجرح إذنك ، ولا أعرف كيف مرت الأيام مع حروب الليل الطاحنة التي كان يشنها على زوجته .

أما زوجته فكانت تدعو عليه ليلاً ونهاراً بأن ترى فيه يوماً اسوداً حالك السواد ، كيوم عاد وثمود ، ولو أعصر ذهني عصراً لا أتذكر يوماً اشفقت عليه بكلمة لأنه كان قاسياً عليها أشد القسوة .

مرت الأيام تلو الأيام حتى سمعنا صراخ زوجته ، وكنا نحسبه صراخاً كالمعتاد عليه ، ولكننا لم نشهد له مثيلاً من قبل … ياترى لماذا تصرخ ؟ ولما شعرنا بأن صراخها كان مختلفا عن كل مرة ؟ هل سرق بيتها ؟ أم مات أخوها ؟ أم ماذا حدث بالضبط ؟

أتصدقون ماذا حدث ؟ لقد مات زوجها ، فالتهب الصراخ لهيب النار واستطار الشرر إلى كل بيت وحطَ برحالهِ كل مسمع ، ثم تعالت الصيحات وأنظم جوق النسوة اللواتي سمعن بالخبر من الجيران ، وأنا أرى أناس يذهب وأناس تأتي ولا أعرف لماذا كل هذا ؟

أختلست إنشغال أهلي بالموضوع وكلامهم واندهاشهم بموته ، فدخلت الى بيتهم ورأيته حيث مُسجى على الارض والنسوة من حوله يصرخون وقد توشحن بالسواد ، رأيت زوجته تنوح عليه وتمسك به وتلمسه من أسفل جسمه إلى أعلاه وتقول : كيف تتركني وكنت أرق الناس ، كيف أعيش بدونك ياشمعة بيتي ، وهي تضرب على صدرها وتمزق ثيابها والنسوة يمسكن بها .

تعجبت من قولها ونحيبها بل وغزلها في زوجها الذي عذبها طول حياته ، وكانت تتمنى له الموت كل يوم الف مرة وتنتظر لحظة دفنه لتنهي رحلة شقائها وتطوي صفحة عذابها الى الابد.

كيف تحولت من البغض الى الحب ، وكيف انتقلت لغة الكراهية الى لهجة العشق والنسيب؟

ظل الأمر يشكل علامة إستفهام حتى إنقضت أيام العزاء الثلاثة ، وقتها سألت امي (رحمها الله) لماذا تغير موقف المرأة مئة وثمانون درجة ، فأخبرتني بمثل شعبي شهير فقالت: ( إلي يموت تطول كراعينه ) ، وهنا زادت حيرتي حيرة وسالت والدتي سؤالاً مباشرا ً، لماذا ؟

وأنا لحد الآن اتسائل … لماذا؟
[ Read More ]

عشق الكتاكيت

كنت في الثالث الابتدائي ، يوم ان جلبوا الى اختي التي تكبرني بـسبع سنين كتكوتاً صغير ، دخل الى العائلة فغير مجراها ، اذا ظل يقفز هنا وهناك ، ونحمله من يد ليد ، ويهرب ويدخل تحت الأسِّرة والدواليب.اعتنت اختي بالكتكوت كانه ابنها ، فكانت تشتري من نقودها الشخصية طعام العلف لصغيرها وكانت تحميه وتحتضنه بكل حب.

لاانكر انه كان جميل بلونه الاصفر الزاهي وريشه الناعم الصافي ، كما لا انكر اني شاطرت اختي في حب الكتكوت فتعلقنا به جدا .فكنا نلاحقه اينما ذهب اذا دخل تحت السرير دخلت خلفه لاجلبه الى اختي واحصل على الثناء منها اولاً ، ولانه عزيز علينا ثانياً . و كل يوم يمر يكبر الكتكوت ويترعرع ، ومرت الايام حتى صار الكتكوت ديكاً جميلاً تحمله اختي وتمشي به متبخترة مفتخرة ، وانا طبعاً من خلفها احمل العلف والماء حيث يسكن الكتكوت في بيته في اطراف الشرفة.

وفي ليلة من ليالي بغداد الشاتية الماطرة ، وكان بيتنا مطلاً على شارع تجاري ، اقف في الشرفة اطالع الرائح والغادي ، وهم يتبضعون من السوق والمطر ينزل عليهم دون توقف ، التفتُّ فجأة الى الجهة التي يسكن فيها الكتكوت. نظرت مستغرباً ، لماذا لا اسمع صوته ؟ هل أخذه أحدٌ من مكانهِ دون أن ندري؟ هل هو نائمٌ ؟ هل قفزَ من الشرفةِ لانه كَبُرْ ؟ هل إنزعج من العيش بمفردهِ لازوجةَ لهُ ولا أولاد ولا حتى أصدقاء؟

فخطوت اليه حيث يعيش، ونظرت فاذا يسود السكون مكانه ، وكان المكان مظلماً لم اتاكد من وجوده او عدمه ، فادخلت يدي في بيته لابحث عنه ، فوجده منطرحاً ولاحراك . نعم … لاصوت له ولا حركة ، ياسبحان الله ماذا حل بصغيرنا ؟ ركضت الى اختي واخبرتها وقلبي يكاد يقفز من اظلاعه.
سارعت اختي من فزعها وذهبت اليه ، فراته منطرحاً ، ونظرت اليها وهي عبثاً تقلبهة ذات اليمين وذات الشمال ، أملاً في اعادة انفاسه ، ولكن الحقيقة المرة التي تجرعناها بمرارة … أن الكتكوت مات .
إنصدمت أختي ولم تتحمل المنظر، فتساقطت دموعها على خدها ، وظلت تبكي طول الليل وانا اراها وابكي في الخفاء ، واخاف ان اذهب عندها خشية ان تزجرني . ولم تاكل اختي بسبب موت صغيرها الكتكوت مدة 3 ايام ، وهي تبكي كلما تذكرته بكاءً شديداً . وقد اشفق عليها كل من في البيت ، ووعدتها أمي (( رحمها الله )) أن تشتري لها كتكوتاً جديداً بدلاً عنه ولكن دون جدوى.

ظل الموقف في ذهني ، وظل معه تساؤل يرن في اذني الى حد الآن ، لماذا نحب ونتعلق؟

ولماذا نحب ونعشق ؟

رغم انه لابد من الفراق ؟
[ Read More ]

قل لي ماذا تقول … اقول لك ماذا تكون

الكلمة تؤثر في الانسان الى لدرجة انها تستطيع ان تغير فكرة كاملة بكلمة واحدة ، بل تستطيع ان تبني انسان وان تهدمه بكلمة .

فتذكرت حين كنت صغيرا … كان أهلي دائما ينعتوني بالدكتور ، وكنت اسمع هذه الكلمة من اخواتي في البيت على وجه التحديد مرات عديدة باليوم الواحد ، فمرة يقولون انك ستصبح شيخاً وعالما في الشريعة .
ومرة يقولون لي انك ستصبح دكتوراً ومرة يقولون انك ستصبح ملحناً وكانوا يمزحون معي وينادوني عمار الشريعي على اسم الملحن المعروف . ويبدوا ان عقلي الباطن اختزن هذه الكلمات والاوصاف والنعوت ، حتى اصبحت حقيقة .

يجهل الكثير منا أثر الكلمة الطيبة…

الكلمة الطيبة … اللمسة الحانية على نفوس الآخرين وكالبلسم الشافي على قلوب السامعين، وعند خروجها لا تحتاج إلى تأشيرة سفر ولا دفع مبالغ لتصل إلى القلوب.

كم نطلق ياترى كلمات دون وعي منا بخطورتها ، ربما تتلقاها اذن طفل فتؤدي الى تحطيم معنوياته ، مثل كلمة : غبي ، حمار … الى اخره من الكلمات البشعة.

وكم من كلمة رفعت المعنويات وشجعت على النجاح ، مثل كلمت : شجاع ، ذكي الى اخره ، مثلاً :

أنتي " رائعة "

كلمة قد تجعل امراة عادية تسير كالطاوس بين حشد من النساء الفاتنات .

أنت " غبي "

كلمة .. قد تكسر همة طفل نبيه وتقفل أبواب عقله عن الاستيعاب .

أنت " ساذج "

كلمة .. قد تحول أنسان طيب القلب الى انسان شرس يقسو حتى يغسل كل وسمات الطيبة من شخصه .

أنت " ظالم "

كلمة .. قد توقد دكتاتور وتثنيه عن ظلمه او قد تجعل دكتاتور أخر يقهقه معتبراً هذه الكلمة مدحاً .

أنت " قادر "

كلمة قد تحرض معوق على كسر حدود الاعاقة بما يعجز عنه أصحاء البدن .

هي " كلمة " واحدة… او " كلمات " …

قد تشــكل من أنت …

أيــاً من كــان أنت .
[ Read More ]

أمي .. وإمام المسجد .. وأنـا

دعيت ذات يوم الى بيت احد اصدقائي ، وكان والده يجلس الى شيخ ذو شيبة معمم يبدو في اواخر الخمسينات من عمره ، عليه سيماء الصالحين ولاازكي على الله احد ، فدعانا والده صاحب البيت الى الجلوس معهم .

ولم يفت وقت طويل حتى راينا العشاء موضوع على سفرة الطعام ، وبعد التسمية تناولنا ماشاء الله من الطعام اللذيذ ماشاء ، حتى انتهينا .

وعند الجلوس لشرب الشاي كان الوقت قد تاخر نسبيا ً علىّ ، فكان لابد ان اعود الى البيت، ولكن كان للحديث شجون وفنون حتى اردت ان اخرج فقام معي الشيخ المعمم ، واستاذن لان وقته تاخر ايضا ً .
وخرج صديقي يمشي معنا الى ان وصلنا الى الشارع العام ، وجاملتهما فبقيت انتظر سيارة تاتي لتقل هذا الرجل الشيخ فلم نجد شيئاً.فنظر الشيخ الى ساعته وقد قاربت عقارب الساعة الواحدة ليلاً ….
ياللهول ….

كيف مر الوقت بهده السرعة ؟

ان هذا الموعد ينبئ عن كارثة لهذا الرجل…

لاتوجد اي سيارة في مثل هذا الوقت …

لاتوجد بالمرة …

فمالعمل؟

وفجاءة ودون اي مقدمات تنصل صديقي من ضيفه وضيف أبيه فقال: انا استاذن ولابد ان اعود ، فاستغربت لطلبه هذا .

فقلت له: والشيخ ؟

فقال الشيخ : اذهبا فانا لي الله .

فغادر صديقي ماشيا الى بيته ، وتركني مع الشيخ ، ياترى هل من المعقول ان اترك هذا الشيخ لوحده في منطقة مقطوعة عنها وسائل النقل .

هل اخذه الى بيتنا يبيت فيه حتى الصباح ؟

وذلك الاحتمال مستحيل لضيق المكان اولا ً ، ولعلمي بان مبيت رجل غريب لانعرفه صعب ولاتتقبله عائلتي.

وصرت افكر وافكر ، والشيخ يتكلم عن نفسه وكيف كان تليمذا عند كبار المشايخ في العراق وكيف تعلم على يديهم فنون العلم والدعوة . وكنت أهز راسي موافقاً كانني مصغيا ً لحديثه والحقيقة اني كنت افكر الف فكرة في الثانية لاجد مخرجاً لهذا الرجل.

الوقت يمر .. والساعة تدق.. والزمن يمضي بسرعة .. والليل ادلج والقلق يساور اهلي عليّ ، فلم اعتد التاخر بالليل الى مثل هذا الوقت ، فماالعمل يارب ، هكذا ناجيت الله .

رزقت بفكرة لاباس بها ، وهي ان آخذ الشيخ الى امام المسجد الذي اصلي فيه ليسمح له ان يبيت ليلته في المسجد ، ولمعرفة مسبقة وطيبة بإمام المسجد ( وكان صديقاً صالحا ً) ، تجرأت واصطحبت الشيخ الى المسجد ولكن قلبي يرتجف لاني اخشى المجهول .

ثم طرقت الباب في الوقت المتاخر على الشيخ ، ففزع ولما راني فزع اكثر…وقال :

خيرك شكو شبيك عمار خوما اكو شي؟

فقلت : لا يوجد الا الخير ، فهدأته قليلاً ثم عرفته بالشيخ ، واخبرته انه رجل تأخر الوقت عليه وهو من طرفي وهو رجل ثقة ( وانتم تعرفون متى وكيف تعرفت به ) .

فقال الامام : إذن على ذمتك الشخصية ياعمار أقبل به ضيفاً.

فطرت فرحاً وبشرت الشيخ المعمم ، واحضرت له فراشاً من مخزن المسجد واغطية ، واخبرته باني ساكون عنده في صلاة الفجر ان شاء الله.

ذهبت الى البيت وانا ارتجف خوفاً وارتعد قلقاً ، لاني لااعرف هذا الرجل من قبل ، لكني اشعر بانه رجل صادق لن يؤذي المسجد بشيء ، ثم ليس من المروءة ان اتركه وارجع انام قرير العين .

صدقوني لم تغمض لي عين هذه الليلة، فكنت انتظر الفجر انتظاراً ، وما اصعب الانتظار، ومااصعب الموقف عليّ ، الى ان حان موعد الصلاة ركضت الى المسجد فدخلت فوجدت الشيخ قد استيقظ للتو.


وبعد اداء صلاة الفجر بقيت معه حتى السابعة صباحاً ، وطلب مني أواني طعام ، وملاعق، وصوابين ، ومنشفة وحاجات لا اتذكرها الان بالضبط.

فسارعت الى البيت ، فايقضت امي من النوم ( رحمها الله رحمة واسعة ملء السماء وملء الارض) واخبرتها بطلب هذا الرجل ولبت مسرعة لطلب الاجر ومساعدة المحتاج،

فجلبت الاغراض بسرعة ورجعت مرة اخرى للشيخ ، وقدمتها له ويغمر وجهي الحياء منه ، فربت الرجل فوق كتفي وقال: هل تريد مني شيء ؟

قلت له : ادعوا الله لنا .

فدعا لي واخبرني بفرح بأنه لن ينسى هذا الجميل وهذا المعروف ثم ركب سيارة وتوجه الى بيته .
ذهب الرجل وانتهى الموقف العجيب برمته ، ولكن لم ينتهي فرحي الغامر واعجابي بإستجابة امي لنداء الفقير واغاثة الملهوف ، وشعرت اني لست لوحدي ….

وانما معي امي بايمانها ويقينها وحبها للعطاء والتراحم ….

ومعي قبل كل شيء واهم من كل شيء ، الله تعالى في علاه .

فمن ربــــــح ؟ ومن خــــسر؟

صديقي وابــــــــاه ؟

ام أمي وإمــــــــام المسجد وأنا؟

[ Read More ]

الخيط … وصلاة الفجر

حين كنت في السنوات الاولى من الاعدادية ، أُفتُتحَ مسجد قريب الى بيتنا ، فذهبنا نصلي انا واخي الاكبر مني "علي" فيه ، ويالها من ايام مباركات شعرت فيها باني ملاك او ان الملائكة تطوف من حولي من شدة اقبالي على الصلاة والعبادة وتعلم الاسلام والعقيدة.

الا ان هناك ازمة ، تعد ازمة الازمات ، وهي صلاة الفجر، حيث منعنا من اداء الجماعة في المسجد من الاهل وذلك لخوفهم علينا يومها من " كتبة التقارير والبعثية والمتزلفين للحكومة " بحيث كان الذهاب الى المسجد
و " التدين عموما " هاجساً عند الاهل يتوجسونه ، ومؤشراً خطراً عن الحكومة .

وبعد التي والتيا ، وبعد جهد جهيد اقنعنا الاهل بالذهاب الى المسجد ، وقد اخبرناهم باننا خرجنا خلسة منهم للمسجد قبل ان يكتشفوا امرنا، فاما ان يذعنوا ويقبلوا اصرارانا ويلبوا مطلبنا ، او ان نظل نلعب معهم لعبة القط والفار، وهذا في الحقيقة اسميه اقناع ، وان كان اجباراً ، لان الاقناع في ذلك الزمن كان اجباراً وكل يؤدي دكتاتوريته على طريقته ، ويجبر الاخرين على طريقته.

ولكن كيف نصحو لصلاة الفجر ؟

ممكن استخدام ساعة منبه …

- صح … ولكن لم تنفع لان اخي علي كان يغلقها وهو نائم ويوم ان اعتمد علي في ايقاضه ، لم اكن افضل منه بل امسيت اغلقها وانا نائم ايضاً .
طيب هل ممكن ان نسمع الاذان ونصحو على صوته ؟

- لم يكون المسجد قريباً الى درجة اننا يمكن ان نسمع الاذان، وكانت الكهرباء في اوج ازمتها لذا لايستطيع ان يؤذن المؤذن بمكبرات الصوت لان الاجهزة تحتاج الى كهرباء ، والكهرباء رحمها الله . فالحر الشديد دفعنا ان ننام فوق سطح المنزل ، ووجدناها فرصة للهروب من الحر ولمحاولة يائسة لسماع الاذان ولكن دون جدوى.

واخيرا وجدنا الحل …

كان لنا صديقاً واخاً اسمه "يوسف" ، يريد ان يصلي الفجر معنا في المسجد ، وقد انعم الله عليه بوالده رحمه الله الذي يستيقظ على صلاة الفجر بساعته البيلوجية من دون ان يوقظه احد ، فما ان يؤذن لصلاة الفجر حتى يصحو الحاج ليصلي سبحان الله.

فاقترحنا على يوسف ان يوقظنا ، فبادر الصديق بكل سرور لكسب الحسنات ، ولكن سال نفسه وتسائلنا معه ، كيف يوقظنا ؟
هل يرن علينا جرس البيت ؟

- وهذا غير ممكن فاهلنا نائمون .

ام هل يتصل بنا بالتلفون ؟


- وهذا غير ممكن ايضاً ، لان المنطقة تخلوا من خطوط الهاتف برمتها ، والموبايل لم يولد بعد آنذاك .
اذن ما العمل؟

وبفتح رباني وبمنحة ربانية ، اخترع اخي الذكي العبقري "علي " خطة اسماها بالجهنمية ، التي ستدخلنا الجنة ، وهي ان ننام في سطح البيت حيث نحن نائمون ، ويربط خيط متين نوعا ما ، بدايته في معصمه ونهايته في باب المنزل ، فياتي يوسف في الفجر يفتح الخيط الملفوف على الباب ثم يسحبه بشدة مرة ومرتين وثلاث حتى يشعر اخي بان حركة مفاجئة تسحب يده ، فيستيقظ .

ولن اطيل عليكم .. نحجت الخطة وفرحنا وفرح يوسف بالاجر لان الدال على الخير له كاجر صاحبه ، واستمرينا على ذلك مدة طويلة والحمد لله .
ولكن … مرت الايام وتعاقبت السنين ، حتى جاءت في هذه الايام كل منبهات الدنيا وكل تكنلوجيا الارض لتوقظنا لصلاة الفجر فلم تستطع ، لان على مايبدو ان شيئا فينا قد نام .
فسبحان الله … رحم الله اياماً كانت الهمة فيها عنوان ، والعزيمة فيها سمة الشجعان.
[ Read More ]

موقف … مضحك مبكي

ذات مرة صعدت انا وصديقي الى الباص عائدا من الجامعة في مدينة الاعظمية الى البيت ، واصغيت لصديقي وهو يشكو والده وسوء معاملته له ، وكنت قد تعاطفت مع صديقي لان اباه يتقصد ايذاءه بقصص عديدة رواها لي والعهدة على الراوي .

وانا كنت متعاطفاً فقط ولم انصب نفسي قاضياً ، كان يسترق السمع رجل ذو شيبة ويبلغ الستين من العمر تقريبا ً، وقد استمع الى شكوى صديقي لسوء معاملة والده ، واستمع الى تعاطفي معه ، ويبدو اني قلت بدون قصد، كلمة قوية وهي : " الله يعينك هاي لوابوية الا اقتله " ، وعندنا في العراق مثل هذه العبارات نقولها كحجاية التنكال يعني مجرد عبارة تعاطف وليست حقيقة.


ولكني لسوء حظي ان الرجل ترك الموضوع برمته ، ونسي كلام وشكوى صديقي ووقف عند كلمتي القوية . والتفت الي وصرخ باعلى صوته " ياايها الناس هذا الانسان مجرم ، ولايستحق ان يعيش اي والله " فانا نظرت اليه وهو يشير الي بهذا الكلام واستغربت ، فقلت " له هل انت تحدثني ياعم " فقال " اي عليك يامجرم تريد تقتل ابوك ؟ هل تعتقد اني لم اسمعك ؟"

فانا باندهاش طالبته بان يخفض صوته ، فاذا بالرجل باعلى صوته يقول للسائق وللناس هل ترضون بان رجل مراهق مثل هذا يقتل ابوه ، في اي زمن نحن يالله ، ثم قال لي " لك آني جنت بالكلية شافني ابوية اشرب جكاير كمت ارجف هسة تريد تكتل ابوك اويلي يابة "
طبعا لم تمر لحظة حتى رايت كل من في الباص وهم 28 راكب يمرقوني بنظرات كراهية وحقد واستعلاء ، فحاولت افهمهم ولكن قامت امراة عجوز تريد ان تنزل من الباص فقالت لي " لاتستعجل ابدا يابني هو ايضا ابوك الذي رباك فلاتقتله ياولدي"

فقلت لها انا …. قاطعني هذا الرجل قائلا للمراة " وهل تنصحين هذا المجرم ، وهل ينفع معه النصح " ورايت بمرآة السيارة كل الناس وهو يهزون رؤسهم مما حدث ناقمين عليّ بشكل شديد ، وقبل ان نصل الى نهاية المشوار في كراج باب المعظم في بغداد ، نزل شخص وقال لي " انت من علامات الساعة وان يوم القيامة اقترب بسببك لان عشنا وشفنا امثالك يريدون يقتلون ابائهم " ، ونزلت بكل الم … ونزل صديقي وهو محرج وراح الناس وتلاشوا في الزحام ، وبقيت انظر الى ماحدث باستغراب ،وسئلت نفسي الف مليون مرة، لكن لم افهم والى الان ، لماذا حصل هذا الموقف ولماذا استعجلوا باتهامي ولماذا لم يعطوني الفرصة لاقول الحقيقة .

هل لان الشعب العراقي اعتاد أن يصادر الحريـــــات…

ويكتم الافــــــــــواه…

ويحكمون على الناس بتعصب وبتسرع مثل حكومـــــاتهم القديمة والجديدة ؟ …

لا ادري .
[ Read More ]

لغز إسمه جسّام


أقدّسُ الصداقة وأحب الاصدقاء وأحرص عليهما كعيوني التي أرى بها ، وحين كنت صغيراً في العاشرة من عمري التقيت صديقا في مدرستي اسمه "جاسم " وكنت اناديه بـ(جسّام ) ، وكان هذا الصديق ذو صفات رائعة ولم ارى منه الا الخير ، وفعلا تصاحبنا وغدونا نذهب سوية ونرجع سوية وتعرفت على اهله واحبوني وتعرفوا على اهلي واحبوهم ، وكل ذلك وانا في العاشرة من عمري.

ثم مرت الايام وانتقلنا الى بيت جديد وبعدت المسافة ولم استطع حينها ان اركب السيارة واذهب اليه او ان اراه لاني مازلت صغيرا او هكذا فرض عليّ اهلي من اكون صغيرا وانا في الاول متوسط .

وبعد سنين من الانقطاع … لم يزل "جسّام" يدور في ذهني واشتاق اليه لانه صديق الطفولة كما يقال ، حتى قررت وانا في المرحلة الاعدادية وفي السادس تحديداً ، رغم انشغالي بالدراسة ومحدودية الميزانية التي املكها ، بالكاد تكفي مشاوير المدرسة ، رغم كل ذلك قررت الذهاب للبحث عن صديقي القديم ، وفعلا بدات المشوار وذهبت الى منطقتنا القديمة في بغداد الجديدة ( وهي حي معروف في جانب الرصافة من مدينة بغداد الصابرة) .


ورحت اسال عنه وفجاة وجدت بيت عمه لازالوا يسكنون في بيتهم ذاك ، فطرقت الباب فخرجت خالته ، ( طبعا خالته متزوجة من عمه ) ، فسلمت عليها وبالتاكيد لم تتذكرني لكن عندما ذكرتها بي وباهلي بدات ترحب وتشكرني لان زرتهم بعد طول السنين ، واحسست ان بيتهم بدا يرقص فرحا بزيارتي.

وسالتها عن "جسّام" وقلت لها اريد ان اراه ، اخبرتني بانه الآن بخير وهو يخدم خدمة العلم وقد انتقل بيتهم الى منطقة الدورة ( وهي منطقة معروفة ايضا في بغداد ولكن في جانب الكرخ )

ومع ذلك قررت الذهاب اليه في نفس اليوم والحمد لله كان العنوان واضحاً ، وفي الطريق للوصول الى بيتهم وجدت طفلة وهي ترجع من مدرستها ، فنظرت اليها وكانها جسّام وهو صغير ، فعرفت انها اخته الصغيرة ، ( شفتوني شلون ذكي لكفتهة وهي طايرة ) فسالتها عن بيتهم فاخذتني ودخلت تخبر امها؟

خرجت ام جسّام وهي تنظر الي باستغراب ولم استطع ان انهي سلامي حتى استقبلتني بالقبلات قائلة : (( هلة يمة هلة صدك جذب ماشاء الله صاير شكبرك)) ، فغرقت في عرقي واحمر خدي واصفر وجهي ( وصرت قوس قزح) .

وبعد ان سالتني عن اهلي وصحتهم واحوالهم ، سالتها عن جاسم فقالت ان جاسم غير موجود فهو ملتحق بالعسكرية ، وسوف يعود بعد 12 يوم ، وبما اننا لم نملك تلفون ، ولم يكن النقال بعد قد ظهر للوجود ، فلم يكن بيدي سوى ان اقدم وعداً باني اعود اليهم لارى جسام والتقيه بعد هذه السنوات مرة اخرى.

وبعد انقضاء اسبوعين كاملين عدت من جديد لارى صديقي القديم الجديد ، فوجئت باستقباله البارد ، وكلامه الرتيب، واجاباته المقتضبة ، ونظراته اللامبالية ، وجلست معه كاني اجلس في الاسكيمو او كاني قابلت قطعة من الجليد ، اين المشاعر ؟ اين الاخاء وصداقة الطفولة ؟ اين واين واين ؟

خرجت وانا في ذهني سؤال واحد يدور في داخلي ، وهو " هل هذا جزاء الوفاء؟ ".

لم تنته الدنيا عن هذا الموقف ، وانتظرت فرج الرحمن وتعويض المنان ، ومرت الايام حتى تعرفت باحبة واخوة واصدقاء لو وضعتهم في كفة ووضعت الكون كله في كفة لمالت كفتهم بلا منازع .


وبقى موقف جسّام لغزاً لم يحل لحد الان . . . رغم انه صفحة طويت ، وماضٍ لايحظر الا في هذه السطور.


[ Read More ]

;