مـدونة شخصية جداً .. عصـارة تجـربة أثْـرَث حيـاتي .. وربـمَّا تُثري حيـاتك

Facebook
RSS

آخر العنقود

عندما تتدافع الذكريات ، لاشيء يوقفها الا الكتابة ، فأنا أحفر لنزيف أفكاري وذكرياتي مجرى على الورق ، لتتهادى شلالاً هادراً او انغاماً تتراقص على السطور .

سأخرج من مخبئاتي صوراً جميلة تعني لي الكثير ، صوراً عن اخواتي الخمسة واخويّ الاثنين ، حفظهم الله جميعاً وسأصفهم كما تراهم نفسي وروحي وقلبي ، راجياً من الله السداد .

أختي الكبرى قوةٌ جبارةٌ ، تخرق البحار وتتسلق الجبال وتكافح فقط لتصل لما تريد ، الناظراليها يخاف لانه بصدق يرى طموحاً غيريباً للوصول والنجاح . إنها سيدةُ خفّة الدّم ، وتلطيفِ الاجواء وضحكاتها تخفف أتعابي وهي متنفسي حينما اختنق في عنق الزجاجة .

والتالية ام ٌ رؤوم ، بكل مافي الكلمة من معنى ، نتهمها جميعاً ً بافساد الابناء والاطفال من كثرة تلبية طلباتهم ، فهي لا ترد احداً ابدا ً ، من رقة قلبها وجمال داخلها . تصلي كثيراً وتصوم اكثر ، لاتنام حتى تطمئن على الجميع ، انها النخلة التي تقدم الثمر الحلو الطيب .

والثالثةُ كيانٌ خاصٌ لاتكفيه سطورأً ولا مجلدات لشرح غوامضهِ والغازهِ ، رائعةٌ واعجوبةٌ من عجائب الدنيا ، أختي العاقلة العالمة الموهوبة التي تعلمت منها امور ثلاثة ، الى الآن أتميز بها ولولاها لكان في شخصيتي هوة وشرخ وثلمة ، تعلمتُ حبَّ العلم والصبر وسبر أغوار الناس .

والرابع أخي الأكبر ، عملاق العطاء والبذل والتضحية ، سند حقيقي وصديق صدوق ، يفعل اكثر مما يتكلم ، يختفي ولكنه يظهر في احلك اوقاتك لينجدك ، انه خيمة الاسرة بعد والدي حفظه الله ، والحارس الامين والسور المنيع والوتد .

الخامسة أختي الحنون ، الفدائية التي ضحّت لاجلي كثيراً ، بمجرد ماتسمع حشرجة صوتها الدافئ البريء ، تتفتح أذنك للسماع كما تتفتح الزهرة للربيع ، إذ ينساب حديثها الى القلب مباشرة ، أستطيع وصفها بأنها أعطف الجميع وأرقهم قلباً ، نفسها عزيزة أبية ، وشخصيتها فتية قوية ، ومعطاءة دون إنتظار الاخذ .

السادسة ، صندوقُ أسراري ، وبلسم جراحي ، أختي الخامسة وهي اخر عنقود الفتيات ، انها للصدق عنوان ، لا تكذب ، لاتتنقد ، لا تحقد ، لا تغار من احد ، لا تصنف ، لاتقارن ، صافية كصفاء الماء الزلال العذب ، ترى وجهها وقد تجلى على محياه الضياء والنور والايمان ، لا أغالي اذا قلت أنها اقربنا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وازواجه وبناته من حسن خلقها وطيب معشرها .

السابع ، أسطورة خيالة من الف ليلية وليلة ، انه تؤم روحي ، وشقيق نفسي ، عشنا سوية كل الذكريات الجميلة ، شخصية وقورة عذبة ، محبوب ومحترم ، لايراه احد الا ويظن انه راى نجماً من نجوم هوليود ، وهو بالفعل كذلك ، نجم في العلم والنجاح والابداع ، هو قدوتي وأرضي التي ان رجعت تضمني ووطني ان سافرت اعود اليه .

الثامن هو أنا ... آخر العنقود
[ Read More ]

دماغ من حجر

إخترت هذا العنوان لإني بصراحةٍ شديدةٍ أحمل دماغاً عنيداً من حجر ، لا اسمع كلام احد الا بعد مناقشة وحوار وتطويل وافتراضات ونظريات وتوقعات وسين وجيم .

ربمّا يعتقد البعض أن هذا شيئاً سلبياً ، ولكني أراه ايجابياً نوعاً ما ، فقد تربيتُ على ذلك في جوٍ يحملُ مناخاً حراً متعدد الخيارات ، فأسرتي لم اتذكر يوماً أنها أجبرتني على اختيارِ لون أو قطعة ملابس او طريقة لعب او ممارسة هواية او نوع دراسة او ماشابه ، بالعكس كانت الخيارات جميعاً متاحة ، وبيدك أن تقبل أو ترفض .

الا ان مايشوب العناد والتمرد هذا نوعاً من الخسائر ، تصل أحياتنا الى الدم ، ربما ستدهش عزيزي القارئ من هذا الكلام ولكنه الحقيقة . فقد كانت امي رحمة الله عليها تنهاني عن أشياء ، لا أجرب غيرها وأتعمد مخالفتها وأقول في نفسي لم َ نهتني عنه ؟ ما الذي يحمل من دهشة ومفاجئات وغرابة ؟ أظل افكر في اختراقه وفهمه حتى اكتشفه بنفسي .

فمرة من المرات الكثيرات ، قامت أمانة العاصمة مشكورةً بعمل تسويةِ وتبليط ِالشارع بالاسفلت ، وقد أعجبني شكل الالات الحديثة التي تقوم بالتسوية والتعديل إذ رايتها من شرفت البيت من بعيد ، فكان شكلها غريباً والعمال يلوحون بايدهم ايذاناً بانهاء الشارع ، وكأنهم يخبرون بعضهم بان الفرج قريب وسينتهي عملهم قريباً ، ولكن بالنسبة لي كانت هذه الاشارات اشارة لي باني لابد ان افهم والمس واشعر واحس بهذه الالات وبطبيعة عملها عن قرب ، قبل موعد ذهابهم .

ففي الظهيرة الصيفية شديدة الحر ، سدّت امي باب البيت بالمفتاح ، واخبرتها باني اريد ان انزل لالعب كرة قدم في الشارع ، وقالت لي : الشارع مسدود وكله أعمال وأشغال ، وقالت لي اننا سناخذ قيلولة وبعدها ممكن ان تنزل تلعب مع اصدقائك في العصر ان شاء الله .

كم كان هذا الكلام جميلاً ومريحاً بالنسبة لي اليوم ، اعتقد ان لا توجد ام في الدنيا تفهم ابنها كما كانت امي تفهمني رحمها الله رحمة واسعة ، ولكن في ذلك الوقت ، لم يكن مقنعاً بالمرة ، فقد إستفحل عنادي وتضخّم حتى صارَ كالغول المسجون ، يزبد ويعربد ، وأنا أردد في نفسي ، أريد ان أنزل ، أريد أن أراهم يعملون عن قرب ، أريد أن المس الماكنة ، واتحدث مع العمّال .

خلدت أمي للنوم ، ووضعت المفتاح تحت المخدة ، لانها تعرفني متمرداً وقد أسرق المفتاح لإنزل رغم أنف الجميع ، وقد حصل ، فقد فعلتها تماماً ، ونزلت وحققت ما اريد، وبعد أن أشبعت فضولي واستكشافي ، دعوت اصدقائي للعب كرة القدم ، فلم اكن اقبل بالتمرد لوحدي بل لابد أن أورط آخرين حتى يضيع الدم بين القبائل ، ولا ابدو المتمرد الوحيد بين الاولاد .

بدأت المباراة ، وكانت حاميةً ، وكوننا نلعب قريباً من مكان الحفر والتبليط ، فقد كانت تحيطنا احجار كبيرة ، مدببة ومسننة ومشوهة ومستوية وغيرها كثير . وانا منطلق للهجوم وإذا بي اقفز قوياً وبعيداً ولكن الى اين ؟ الى صخرة كبيرة مدببة ، اقع عليها ، وأضرب راسي بها بدل أن اضرب الكرة .

فما أفقت من الصدمة وفتحت عيني ، حتى وجدتني أغرق في بحر من الدماء ، أصب دماً من أعلى منجهي حتى قدمي ، ولم يتوان إبن جيراننا " حسين " جزاه الله خيراً ، في حملي لمستشفى الكندي العام في بغداد ، ودخلت الطوارئ ، فاذا بانفي قد كسر ، وعندي نزيف حاد ، وبعد التي واللتّيا ، خرجت من المستشفى ، وظللت وأخذت علاجاً طويلاً ، مع تورم وجهي الذي اتعبني نفسياً كلما رايت نفسي في المرآة ، فلم يعرفني اصدقائي في الاول إبتدائي ولا حتى المعلمات في المدرسة عندما رأوني هكذا .

ولكن مع جرعات الالم هناك نفحات فرح إذ استقبلت هدايا كثيرة من المعلمات في المدرسة ، ومن " ست سميرة " جزاها الله خيراً ، معلمة اللغة العربية . والذي أفرحني أكثر أن أمي الحنون لم تلمني ولم تؤنبني ولم تغضب مني ، وأنما جاءت مرة وانا لوحدي همست باذني كلمتين ، مثل الجبال الشامخات من عظمها ، تسيل منها الحكمة كسيل عارم لايتوقف ، قالت لي بهدوء : (( ان غابت امك ، فربك لايغيب ، كُسَر أنفك ، لتتعلم إن من يعصي قلب امه ، يكُسَر أنفه )) ثم قبلتني وأنا مطأطأ راسي وعيوني قد إغرورقت بالبكاء من الخجل .

سأتوقف الآن عن الكتابة .. لإني لنْ أستطع أن أقول أكثر مما قلتْ ... إلى اللقاء


[ Read More ]

;