سنوات وتمر علينا مناسبة تُسمَّى " عيد الام" ، واراه للاسف اختزالاً لحب الام في يوم واحد ، بينما كان الحب في بلادنا ممتد على طول ايام السنة ، وحب الوالدين في ديننا فريضة ، وفي مجتمعاتنا عرف محبب ، وطريقة حياة وسلوك و احترام للكبير وتوقير من الصغير .وربما يتناسب لمن هم في الغرب هذا العيد وذاك ، لان الاسرة لدهم هامشية فالولد لايرى اباه ولا يرى امه الا في المناسبات ، كعيد الام وعيد الفصح وغيره .
وبعيداً عن كل شيء ، وقريباً من أبي ، الذي أرفض أن يختزل حبه يوم هو الآخر ، كما فعلوا بالام ، أرفض بشدة ان يكون ذلك الكائن الذي ضحى بصمت ومازال يعطي ويقدم أن نحتفل به يوماً واحداً ، بل عيدك يا ابي كل يوم .
والدي مختلف عن الآخرين ، على الاقل من وجهة نظري ، فقد كان كان غريباً ، تارة تراه قوياً لايهمه شيء ، ربما يتشاكل مع والدتي ويغضب ويصخب ، وتارة تراه رقيقاً ناعماً ، ويتجلى عطفه معي ولي ، فاتذكر اني مرضت في طفولتي مرضاً شديداً ، فارتفعت درجة حرارة جسمي واصبت بالحمى ، ولم اصدق حينها مارأيت ، رأيت أن الجميع ناموا وتركوني اتألم لوحدي ، حتى أمي رحمها الله ،، فهي الاخرى نامت ، ربما لانها أُنهكت طوال النهار بسبب العناية الصحية بي ووضع الكمادات على جبهتي .
الإ أبي .. فقد رأيته حفظه الله يتسحب بخطو وئيد خشية الا استيقظ فقد كان يظنني نائماً ، فاقترب مني شيئاً فشيئاً حتى جلس بجواري ، وإذا به يدعو لي بالشفاء ويدعو بالويل على نفسه من حالتي هذه ، ويبكي ، نعم يبكي ويقول ليتني بدلاً عنك اتذوق ما تتذوقه يابني من الم ، ليتني اموت دونك ، ليتني افديك .
يا الله .. انه يتنهد كالثكالى ، بقلب يقطر بالرحمة والمحبة ، على فلذة كبده المريض ، ماذا عساه أن يفعل !! وماذا عساي أن افعل تجاه هذا الحب ، سوى شعوري بالعجز والتقصير اللامتناهي تجاه هذه القيمة والقامة الانسانية العظيمة .
ويتسلسل العطاء وتزداد لقطات الحب يوماً بعد يوم ، فقد كنت أنتظر قدومه من العمل ، فاذا جاء ولم يجلب لي تفاحاً او موزاً او جوزاً فاني إرجعه الى السوق ، وأجبره على ان يجلب لي ماأريد ، رغم توسلات امي بي بان اترك ابي يرتاح فهو متعب ومازال بملابس العمل ، وكنت على وشك ان اقتنع الا اني اجد أبي يرفض ويقول لها لا ، أنا سانزل حالا لاشتري له مايريد .
وصار صديقي عندما تعرضت لحادثة قلبت وجهي الى قفا ، وشوهت تماماً معالمي بسبب كسر في الانف وتورم في الوجه ، فكان يأخذني معه الى حيث يذهب ، رغم نظرات الناس ، ولكنه يوحي لي وبكل ثقة حتى يثبت لي باني مازلت بخير ، يأخذني الى الاسواق ، ويدخلني الى السينما لكي انسى ماحصل لي ، ويشتري لي كل شيء حتى يعوضني عن الشعور بالالم والوحدة .
ففي مناسبة كالختان ، جاء الي وقد فكك نقوداً كثيرة ووضعها في كيس ، فاصبح الكيس ثقيلاً بقطع النقود المعدنية ، وهذا شيء اسعد قلبي جداً فانا املك مالا يملكه الاخرون ، ومع هذا طمعت بالمزيد ، فقلت له تعالى اجلس الى جابني ، فاقترب وجلس ، وهمست في أذنه أن يخرج كل مافي جيبه ، فاخرج كل مافي جيبه واعطاه لي ، رغم صرخات والدتي محاولة منعي من ابتزازه ، وهو يضحك قائلاً لها : دعيه فانه يستحق اكثر .
والدي الذي كنت طفله المدلل يامتياز ، كان يتباهى بي أمام اصدقائه ، ويقدمني لهم على اني الدكتور عمار ، وهذا منذ كان عمري 8 سنوات ، فقد كان يزرع حب العلم دون ان يدري ربما ، وكان ديمقراطياً يتقبل النقد ، ويسمح لي بالحوار الحر فلم اذكر مرة استهزء بي او أقصا رأيي ،أو قطع حواراً معي ،أو لم يصغ لي رغم تقاطع افكاري معه في كثير من الاحيان .
والدي رحب الصدر سمح المعشر ، كان يتقبل بل يحب المزاح مني فما من مرة مازحته فيها الا وبادلني بالود والمزاح والضحك ، كان عنده قصص فريدة وحكاوي كوميدية نادرة ، لايجيد روايتها الا هو . والدي الذي انفق علية طوال عمري ، ودعم مشوار العلم التي قطعته ، ولم يبخل علية بشيء ، وضحى بالغالي والنفيس ، الا يستحق ان يكون عيده كل يوم ؟
والدي الذي كان ومايزال ينادني باجمل القابي ، يناديني " عمورات " ، ذلك اللقب الذي يتهادى منه الدلال والحب ، كما يتهادى القرط من إذن الجميلة ، الا يستحق مني كل الحب ؟
مهما قلت وكتبت ، ستبقى ايها الكبير، اكبر من ذكرياتي
وستبقى ذكرياتي اكبر من صفحاتي
شكراً لك ايها الكبير معترفاً بصغر مقامي .. لكبير مقامك الى الابد




