مـدونة شخصية جداً .. عصـارة تجـربة أثْـرَث حيـاتي .. وربـمَّا تُثري حيـاتك

Facebook
RSS

أكبر من ذكرياتي

-
د. عمار عبد الغني

سنوات وتمر علينا مناسبة تُسمَّى " عيد الام" ، واراه للاسف اختزالاً لحب الام في يوم واحد ، بينما كان الحب في بلادنا ممتد على طول ايام السنة ، وحب الوالدين في ديننا فريضة ، وفي مجتمعاتنا عرف محبب ، وطريقة حياة وسلوك و احترام للكبير وتوقير من الصغير .

وربما يتناسب لمن هم في الغرب هذا العيد وذاك ، لان الاسرة لدهم هامشية فالولد لايرى اباه ولا يرى امه الا في المناسبات ، كعيد الام وعيد الفصح وغيره .

وبعيداً عن كل شيء ، وقريباً من أبي ، الذي أرفض أن يختزل حبه يوم هو الآخر ، كما فعلوا بالام ، أرفض بشدة ان يكون ذلك الكائن الذي ضحى بصمت ومازال يعطي ويقدم أن نحتفل به يوماً واحداً ، بل عيدك يا ابي كل يوم .

والدي مختلف عن الآخرين ، على الاقل من وجهة نظري ، فقد كان كان غريباً ، تارة تراه قوياً لايهمه شيء ، ربما يتشاكل مع والدتي ويغضب ويصخب ، وتارة تراه رقيقاً ناعماً ، ويتجلى عطفه معي ولي ، فاتذكر اني مرضت في طفولتي مرضاً شديداً ، فارتفعت درجة حرارة جسمي واصبت بالحمى ، ولم اصدق حينها مارأيت ، رأيت أن الجميع ناموا وتركوني اتألم لوحدي ، حتى أمي رحمها الله ،، فهي الاخرى نامت ، ربما لانها أُنهكت طوال النهار بسبب العناية الصحية بي ووضع الكمادات على جبهتي .

الإ أبي .. فقد رأيته حفظه الله يتسحب بخطو وئيد خشية الا استيقظ فقد كان يظنني نائماً ، فاقترب مني شيئاً فشيئاً حتى جلس بجواري ، وإذا به يدعو لي بالشفاء ويدعو بالويل على نفسه من حالتي هذه ، ويبكي ، نعم يبكي ويقول ليتني بدلاً عنك اتذوق ما تتذوقه يابني من الم ، ليتني اموت دونك ، ليتني افديك .

يا الله .. انه يتنهد كالثكالى ، بقلب يقطر بالرحمة والمحبة ، على فلذة كبده المريض ، ماذا عساه أن يفعل !! وماذا عساي أن افعل تجاه هذا الحب ، سوى شعوري بالعجز والتقصير اللامتناهي تجاه هذه القيمة والقامة الانسانية العظيمة .

ويتسلسل العطاء وتزداد لقطات الحب يوماً بعد يوم ، فقد كنت أنتظر قدومه من العمل ، فاذا جاء ولم يجلب لي تفاحاً او موزاً او جوزاً فاني إرجعه الى السوق ، وأجبره على ان يجلب لي ماأريد ، رغم توسلات امي بي بان اترك ابي يرتاح فهو متعب ومازال بملابس العمل ، وكنت على وشك ان اقتنع الا اني اجد أبي يرفض ويقول لها لا ، أنا سانزل حالا لاشتري له مايريد .

وصار صديقي عندما تعرضت لحادثة قلبت وجهي الى قفا ، وشوهت تماماً معالمي بسبب كسر في الانف وتورم في الوجه ، فكان يأخذني معه الى حيث يذهب ، رغم نظرات الناس ، ولكنه يوحي لي وبكل ثقة حتى يثبت لي باني مازلت بخير ، يأخذني الى الاسواق ، ويدخلني الى السينما لكي انسى ماحصل لي ، ويشتري لي كل شيء حتى يعوضني عن الشعور بالالم والوحدة .

ففي مناسبة كالختان ، جاء الي وقد فكك نقوداً كثيرة ووضعها في كيس ، فاصبح الكيس ثقيلاً بقطع النقود المعدنية ، وهذا شيء اسعد قلبي جداً فانا املك مالا يملكه الاخرون ، ومع هذا طمعت بالمزيد ، فقلت له تعالى اجلس الى جابني ، فاقترب وجلس ، وهمست في أذنه أن يخرج كل مافي جيبه ، فاخرج كل مافي جيبه واعطاه لي ، رغم صرخات والدتي محاولة منعي من ابتزازه ، وهو يضحك قائلاً لها : دعيه فانه يستحق اكثر .

والدي الذي كنت طفله المدلل يامتياز ، كان يتباهى بي أمام اصدقائه ، ويقدمني لهم على اني الدكتور عمار ، وهذا منذ كان عمري 8 سنوات ، فقد كان يزرع حب العلم دون ان يدري ربما ، وكان ديمقراطياً يتقبل النقد ، ويسمح لي بالحوار الحر فلم اذكر مرة استهزء بي او أقصا رأيي ،أو قطع حواراً معي ،أو لم يصغ لي رغم تقاطع افكاري معه في كثير من الاحيان .

والدي رحب الصدر سمح المعشر ، كان يتقبل بل يحب المزاح مني فما من مرة مازحته فيها الا وبادلني بالود والمزاح والضحك ، كان عنده قصص فريدة وحكاوي كوميدية نادرة ، لايجيد روايتها الا هو . والدي الذي انفق علية طوال عمري ، ودعم مشوار العلم التي قطعته ، ولم يبخل علية بشيء ، وضحى بالغالي والنفيس ، الا يستحق ان يكون عيده كل يوم ؟

والدي الذي كان ومايزال ينادني باجمل القابي ، يناديني " عمورات " ، ذلك اللقب الذي يتهادى منه الدلال والحب ، كما يتهادى القرط من إذن الجميلة ، الا يستحق مني كل الحب ؟

مهما قلت وكتبت ، ستبقى ايها الكبير، اكبر من ذكرياتي

وستبقى ذكرياتي اكبر من صفحاتي

شكراً لك ايها الكبير معترفاً بصغر مقامي .. لكبير مقامك الى الابد

6 Responses so far.

  1. Unknown says:

    Walahy Dektor Waldik Ystahik Kul Alhub Wel Ahtram , Yarb Yhfda alek

  2. جزاك الله كل خير اختي لمياء .. اسعدك الله وحفظ والديك وانعم عليهما بالرحمة والسعادة في الدنيا والآخرة

  3. Unknown says:

    lجزاك الله خيرا على هذه الكتابة لقد انهمرت الدموع على خديي حين قرات هذه الكلمات المؤثرة. الذي ابكاني حقا هو ليس فقط الكلمات بل لاني تذكرت والدي (رحمه الله)كيف توفي وكنت فيها في سن المراهقة فلكم كنت اتمنى ان اقول له اني احبك والله احبك لكن الايام لم تعطيني الفرصة لاقولها له. حتى اتذكر اني لم ابكي عليه الا بعد اسبوع ولكن حين بكيت بقيت طوال اليوم اجهش بالبكاء. بكيت ليس فقط لنه تركنى ورحل الى الابد ولكن لاني لم اقل له اني احبكز اسال الله تعالى ان يحفظ كل الاباء وان نلقاهم في الجنة ان كان لنا نصيب بان ندخلها

  4. اخي الحبيب حيدر .. اشكرك على صدق مشاعرك ، وصدقني تستطيع ان تقول لابيك رحمه الله احبك في الله بالف طريقة وصورة ، وفي كل وقت ، ارجو ان تبتكر طرق لافراحه في قبره ، تصدق للفقراء كثيراً ، اعمل له صدقة جارية ، ادعو له في سجودك ، اكتب للناس عن افعاله الطيبة لكي ترحموا عليه ، كن فعّالاً في المجمتع لكي يفخر بك يوم القيامة ، اعمل مايجعلك تشفع له يوم القيامة من اعمال خير في الدنيا .

    فكر اكثر وابتكر وابدع ، الفرصة لن تنتهي مادمت حياً

    اشكرك مرة اخرى ، ونورت المدونة باحساسك الجميل

  5. ما شاء الله ذاك الشبل من ذاك الأسد
    الحمد لله الذي أصبح الشبل أسدا يروي قصته الجميلة مع أبيه

  6. اخجلتم تواضعنا .. شكراً لذوقكم الرفيع .. ودمتم بود

Leave a Reply

;