Dr.Ammar Abdul Ghani

مـدونة شخصية جداً .. عصـارة تجـربة أثْـرَث حيـاتي .. وربـمَّا تُثري حيـاتك

Facebook
RSS

وتعلمَّت القرآن



ليس من أحد يستطيع أن يدعي أنه تعلم القرآن كاملاً بكل تفصيلات العلم ، فالقرآن بحر بالكاد تعلمت السباحة اليه ، وامامي الكثير للوصول الى مرحلة الغوص في العمق .

فقد بدأت معرفتي بالقرآن منذ الصبا ، وأول من حببني به هو أمي رحمها الله ، كانت تحذرني أن المس المصحف دون وضوء ، فتشعرني بقداسة وهيبة هذا الكتاب ، وكنت أسأل نفسي ماهذا الكتاب وماهي قيمته لدرجة اني يجب أن أتوضأ قبل أن احمل المصحف .

بعد ذلك كنت - وصحب لي - جالسين في مسجد ( السامرائي ) في بغداد ، وهو المسجد الذي ترعرعت فيه ، وكان زاهياً وبهّياً ، وكل شي فيه جميل ، واسعاً ذو باحة وحديقة كبيرة  ، وأحمل بين أضعلي أنواره وسكينته ، وفي فكري له ذكريات غاية في الروعة .

فدخلنا المصلى ، وإذا بشاب يدعونا للجلوس بقربه ، فذهبنا وإذا بيديه مصحف ، وسالناه ماتقرأ قال : سوة الكهف ، ومن هنا انطلق الشاب يشرح لنا قصة موسى والرجل الصالح ، وكيف أنه خرق السفينة وقتل الطفل ولم يعد بنيان جدار اليتامى .

وإذا بي اشعر بأن القرآن هذا ليس كتاباً بل هو مجموعة قصصية جميلة وحكايات ذو فوائد وعبر ، وشعرت أن عليّ أن ابحث عن هذه القصص وأقرأ القرآن بنفسي لاكتشف القصص بنفسي وأحكيها للآخرين .

ثم مرت الاعوام وتقربت الى القرآن بالتلاوة والترتيل ، فكان كثيراً مايطلب مني تلاوة القرآن في المدرسة في درس الدين ، ومرة بعد مرة شعرت أن هذا القرآن ليس مجرد قصص وحكايات بل هو مقطوعة غنائية لا تنتهي ( رغم أدائي السيء للتلاوة وعقليتي البسيطة ) ، فقد كنت ارى القرآن بهذه الصورة .

وكن لأ انام الا وأستمع الى تلاوات أصحاب الحناجر الملائكية الشيخ ( عبد الباسط محمد عبد الصمد) واستمع الى الشيخ ( أحمد العجمي ) والشيخ ( محمود الطبلاوي ) والشيخ ( محمد صديق المنشاوي ) والشيخ ( عبد الوهاب الكناكري ) وغيرهم ، ممن كان يشديني صوتهم ، فيضيفون الي من بهاء القرآن حلاوة ، ومن بريق حناجرهم طراوة ، ومن عذوبة أدائهم نداوة .

ومرت الأعوام ، وخطرت لي فكرة أن أحفظ أيات من القرآن ، وفي الحقيقة لم تكن هذه الفكرة من بنيات افكاري ، وليست أصيلة مني ، بل منقولة من مجموعة من شباب المسجد ، رأيتهم يقولون انا اتممت 5 اجزاء ، والآخر يقول انا 10 جزاء ، فقلت لم لا أكون مثلهم ؟

فجربت أن أحفظ وبدأت أنذاك بجزء عم وتبارك ، واتممتهما ، وسبحان ربي كم كان المشوار ساقاً وجميلاً بنفس الوقت ، وقد كنت أفرح ولا زلت إذا ما أهدى الي احد مصحفاً فاخر الطباعة ، وقد تلقيت  أكثر من مرة نسخاً من الصحف كهدية نجاحي في المدرسة ، وكنت أشعر بان الله سيوفقني أذا ماستمريت بالقراءة من المصاحف التي لدي  .. وأحسست أن هذا القرآن كتاب يتلى آناء الليل وآناء النهار، حافظاً ومحفوظاً ، يشعر المرء بالفرح والسرور والسعادة .

ثم خطوت خطوة أخرى تجاه هذا البحر الزاخر والنور الباهر ، فشجعني أحد الصدقاء المقربين والذي أكن لهم بالفضل والاحترام ( ضياء حسن ) ، شجعني أن أحفظ اجزاء أخرى من القرآن في وقت قياسي على أن يعطيني هدية ، وفعلاً حصلت على هدية رائعة وهي عبارة عن كتاب قيّم ، ثم بما حفظته من كتاب الله تأهلت أن اتقدم للامامة في الصلاة ، وحينها شعرت أن القرآن هذا يجعلني أكون في المقدمة .

ومرت الأيام وإذا بي التقي بشخصية جميلة ( محمد محسن ) في مسجد الرواس في بغداد  ، وقد قرأن امامه القرآن فوجد عندي أخطاء في الأحكام ، فدعاني لدراستها عنده ، وفعلاً ذهب اليه يومياً ، نجلس في المسجد ندرس الاحكام ونتعلم التلاوة الصحيحة ، فجزاه الله خيراً أطلق فيّ الشرارة الاولى للنهل في مجال الأحكام .

وبعدها شاركت في مسابقة الفائزالاول للقرآن الكريم في الجامعة العراقية حالياً ( جامعة صدام سابقاً ) ، وحزت على اللقب في قسم التلاوة مناصفة مع صديق لي إسمه د. ياسر ، وقد صار من اعز اصدقائي بعد المسابقة ، وأحسست أن هذا القرآن يجعل المرء تحت الشهرة والاضواء نعم .. ولكن في مرضاة الله .

ثم تتلمذت على يد صديق لي حباه الله بعلم غزير وصوت عذب ندي ( عماد الاسدي ) ، وكنت وصحبة أخرين نأخذ معه أحكام التلاوة وصفات ومخارج الحروف ، وننهل من منهل القرآن فلا نشبع ، ونظل نقرأ ونتعلم ونخشع .

والآن .. بعد كل هذه السنين ، وأنا أعيش بين يدي كلام الله عز وجل ، أغوص في تفسيره وفي بيان معانيه ، وكل يوم أكتشف مالم أدركه ، واتعلم منه مالم أعلم .

وأشعر الآن أضافة الى ماكنت أشعر به تجاه القرآن الكريم ، أن القرآن حياة .. لا يعرفها الا الذين يذوبون حباً وهياماً وشوقاً وقرباً لأعظم ماضمَّ الوجود .. كلام الله الذي لاينفذ ، وقرآنه الهادي للأقوم والأحسن ، مأدبة الله، وحبل الله، وهو النور المبين، والشفاء النافع، لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، ولا يعوج فيقوّم، ولايزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد .

اللهم إجعلنا من أهل القرآن ومن حملة القرآن ومن الداعين للقرآن وبالقرآن ، وأجعله حجة لنا يوم القيامة ولا تجعله حجة علينا يوم نلقاك .. يا أرحم الراحمين .

[ Read More ]

صندوق العجائب


في الماضي ..
وتحديداً قبل عقد ونيف من الزمن ..
كان صندوق البريد يعد " أعجوبة " من العجائب ..
ومن يمتلك صندوق بريد كان يمثل رمز من رموز الترف . وخاصة في ظرف كالذي نعيش فيه في العراق آنذاك .

كان حساب الصندوق ، له غاية واحدة في بادئ الامر وهو التعارف ، فراسلت مجاميع عديدة تحب التعارف ، ومن ثم تعدت الغاية الى أبعد من التعارف وهي الدعوة الى الله .

ففكرت أن انفع الناس وانشر الخير بينهم ، عبر ارسال مواعظ وحكم في العقيدة والشريعة  ، ثم تطورت لحل مشاكل الناس الاجتماعية والعاطفية ونصحهم بما ينفعهم وخاصة المراهقين .

وفي ذات يوم ، إستشارني صديق لي استشارة زوجية ، تخص علاقته بزوجته التي يشكوها الجفاء  ، وأخبرني بأنها تستفزه بانه لايستطيع العيش بدونها ، بينما هو يزعم انه يستطيع الزواج من أخرى وأن يجلب لها منافسة .

ويظل هذا السجال ، وفي كل مرة تقول له : إن كان لديك اخرى لكشفتك فالمرأة لديها الحاسة السادسة والسابعة والعاشرة ، وتستطيع كشف خيانة زوجها بسهولة  ، ثم لا تعجب بك غيري ، فشكلك عادي ، وراتبك  محدود ، ولديك ديون كثيرة ، فكيف تغتر بك امرأة وتحبك سواي ، انا ذات الحظ العاثر .

فطرقت لذهني فكرة ، فاخبرته باني سوف اساعده في الحال ، واني سوف اجعل له زوجته كخاتم في اصبعه ، تأتمر بامره ، وتنتهي بنواهيه .

فاقترحت عليه هذه الخطة ...

 ان ارسل له رسالة عبر البريد ، بأسم فتاة مستعار ، واكتب له رسالة حب جياشة ، تمطر عشقاً وتعصف إحساساً  ، وفعلاً نفذنا الخطة ، فارسلت الرسالة وانتظر صديقنا ١٥ يوماً ، حتى وصلت لصندوق البريد  ، ثم ذهب وقد اعطيته مفتاح الصندوق من قبل ، وقد كشفه لزوجته فرأت المفتاح ، ولما سألته عنه ، غيّر الموضوع واصطنع شيئاً من الارتباك ليجعلها تشك وتتلاعب الظنون بها  ، وكل ذلك كان وفقاً للخطة طبعاً ، ولما استلم الرسالة ، دخل بها الى البيت وهو متخفي ، يمثل دور اللصوصية باقتدار  ، وارتكن الى ركن بعيد منعزل ، وفتح الرسالة ، وقرأها ، ورأى مافيها من نثر وشعر وغزل ، حتى تمنّى انها له حقيقة .

واثناء وضع الرسالة مع مجموعة اوراق له ، احس بزوجته وهي مقبلة للغرفة ، فاصطنع الاندهاش ، وقال لها : لماذا لم تستأذني قبل الدخول ؟ وبصوت خافت يملئة الحيرة ، وبعين محاصرة بالتساؤلات ، قالت له : آسفة  . 


 بينما ظل الشك يلعب معها لعبة القط والفأر ، قررت البحث عن ما خبأه زوجها عنها ، وتجنب ان تتطلع عليه وتعرفه  ، وفعلا ً عثرت على الرسالة ، وقرأتها وهي ترتجف اكثر من مرة ، حسب مااعترفت لصديقنا فيما بعد ، وبكت وصرخت وضربت رأسها ووجهها الماً وحسرة على زهرة شبابها التي ضيعته على زوج خائن .

وواجهته بالحقيقة ، فاعترف ولم ينكر ، وسألته عن السبب ، فاخبرها بانها هي السبب ، هي التي لم تعرف قيمة زوجها ، وهي التي لم تثق بانه قد يسرق منها في اي لحظة غفلة منها ، تهمل فيها زوجها ، او تنتقص منه ، او تعيره ، او تتحداه .

كانت واقفة فجلست ، والبكاء مختنق في فمها ، فبالكاد أستطاعت أن تسفر عن ندمها وتقول : أعتذر لك عن كل شئ ، وسامحني لاني لم اقدر جوهرتي الثمينة ، وقال لها بدوره : الحمد لله الذي اعاد لك رشدك ، واطمئني فان الموضوع ليس حقيقياً ، بل أن الامر قد دُبّر بليل ، لكشف مابداخلك من حب لزوجك وحرص عليه  ، وأخبرها أن صاحب الفكرة هو عمّار ، وانه ذاهب لشكره ، وفعلاً جاء صديقي ليشكرني وهو يحمل لي امانة من زوجته ... كلمات .

مجرد كلمات تقول :

بارك الله فيك ، فكرتك أعادت الحب لبيتنا ، ولكن حذاري من تكرارها معي ثانية ، فليست كل مرّة تسلم الجرّة 
[ Read More ]

الحلم الذي لم يكتمل بعد


في ليلة من ليالي القاهرة الجميلة، وانا استمع لموسيقى هادئة حالمة ، موسيقى عذبة مريحة للنفس والروح ، فيها من اصوات الطبيعة مافيها ، قدحت في ذهني زناد فكرة ، احببت أن اكتبها كتعبير عن الوفاء لانسان مر في حياتي كالحلم .

 ***

انتهيت من الصلاة ذات مرة في مسجدنا القريب من بيتنا ، وسلمت يميناً ً السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وشمالاً السلام عليكم ورحمة الله  ، واذا بي افاجئ بشخص يجلس الى جانبي في الصلاة كانه القمر في ليلة البدر .

شاب وسيم ، وجهه منير ، يبدو عليه انه طيب القلب ، ابتسم لي ابتسامة اخوية ودودة وهو يسلم عليَّ ، وانا بتعجب سلمت عليه وسألته عن إسمه فاجاب ان اسمه ( حسام ) .

وشرح فيما بعد سبب زياراته القليلة للمسجد واخبرني بانه ضيف على ابناء عمومته في المنطقة ، وهو يقطن في منطقة أخرى .

ثم صار حسام يتردد كل فترة على المسجد ، والتقي به ، وفي كل مرة اتوق لرؤيته ، والسماع لحديثه ، فكان دافء المشاعر رقيق القلب ، صادق النية ، ويحب كل الناس .

ذات يوم تلقيت منه دعوة لزيارته في بيته ، وفعلا تشرفت بالزيارة ، وعرفني على اجمل عائلة زرتها آنذاك ، والدته حفظها الله كانت كأمي من شدة حنوها علينا ، واخوته كانوا كاخوة لي ، أحبهم ويحبوني على الرغم من اشتعال الاجواء بحوارات ومناقشات في العلم والدين .

اذ دار بيننا حواراً مسيحياً اسلامياً ، طويل الامد ، كون أن والدتهم مسيحية الاصل ، وانجبت حسام واخوته من أب مسلم .

وكانت والدته على درجة رفيعة من الثقافة العامة ، مما جعل الحديث معها في كل الموضوعات رائعاً وعلمياً الى ابعد الحدود .

وزادت مع الايام وشائجنا أنا واخي الحبيب حسام ، حتى صار الشوق يحدونا للقاء ، ولايمضي الكثير من الوقت حتى أزوره او يزورني ، والوئام يزداد يوماً بعد يوم .

ولكن مالبث الحلم برهة حتى بدأ بالتلاشي ، فقد انتقلت الى منطقة اخرى ، وحينها لم استطع اخبار حسام بمكاننا الجديد ، وهو لم يستطع زيارة اقاربه لخلافات عائلية حالت دون ذلك .

فاخذ البعد يشق طريقه بيننا ويحول دون ان نلتقي في ظل عدم وجود الهاتف المحمول في ذلك الوقت ولا اي وسيلة اتصال اخرى ، فلم يكن لدي هاتف ارضي كذلك ، ولكن مع هذا بقي ساكناً بوجداني واتذكره دائماً ، كيف لا والمقربون مني يعرفون أني أقدس الصداقة واحترمها كقيمة سامية  ناهيك عن كونه يستحق ذلك .

وزاد الطين بلة حينما غزا الامريكان بلدي ، وتباعد الناس حتى القريب ، فهاجر من هاجر وتشرد من تشرد وقتل من قتل ، وصار ان يموت لديك شخصان من اصدقائك كل اسبوع امراً طبيعياً ، حتى أنت صرت لاتضمن في اي لحظة يخطفك الموت .

وسافرت الى القاهرة ، وظل حسام ذلك الحلم الذي لم يكتمل ، وظل هاجساً في داخلي لسنوات كثيرة ، وانا لااعرف هل هو حي يرزق وانه على قيد الحياة ام لا ، ولا اعرف هل سنتلقي مرة أخرى ام لا ، وكيف ولماذا ومتى واين ؟؟؟

وفي احدى اليالي رن هاتفي ، واذا بي اتلقى مكالمة من الاردن ، يسالني هل انت عمار ؟ فقلت نعم ، فقال : انا عامر صديقك القديم اعمل الان في سنترال لي في الاردن ، وفرحت جداً بعامر وسألته عن اخوته وابناء عموته اصدقائي الرائعين .

 ***

وتسائلت كيف عرف رقم التلفون ؟ ، فقال : لدي زبون طلب مني ان اتصل بهذا الرقم ووجدت اسمك مكتوباً في الاسفل ، فسالته : هل هو عمار الرجل الكذا وكذا واعطيته اوصافك ، فقال هو بعينه ، فتعجبت وقلت سبحان الله معقول هذا الكلام ؟

طيب من هذا الرجل  ؟  فقال : خذ وكلمّه .

واذا بي استمع لشخص يقول لي السلام عليكم عيوني

 فقلت : منْ ؟

فقال : الم تعرفني ؟

قلت : اعتذر صوتك ليس بالغريب ولكن لم استطع التعرف عليك

فقال : انا حسام

لا ابالغ ان قلت بان عقلي توقف ، لخمس الى عشر ثوان ، لااعرف ماذا اقول ، هل انا استمعت خطأ ، هل هوحقيقة ام حلم .. لاادري

وبعدها عدت الى انتباهتي من شرودي هذا ، ورحبت به بمايليق ، وفاجئني بانه حصل على رقمي بعد ان ظهرت في احدى البرامج التلفزيونية ، وفرح بمشاهدته وقرر ان يتصل .

لم يبق حسام في الاردن ، فقد ارسل لي رسالة ، أخبرني بانه ذهب الى امريكا ، وصرت اتحادث معه عبر الانترنت ، واسرته الودودة التي اعدها كاسرتي واخوته كاخوتي .

ربما والى يومنا هذا لم تسعني الفرصة ان اقول لحسام انه بالنسبة لي حلم جميل ، لا ينتهي في البعد بل يزداد شوقاً ، وانه قيمة انسانية شخصية ، احترمها واقدرها واضعها عالياً ، في مكانها الذي يستحق .

 ***

حسام صديقي الذي ارجو لقائه ، اليوم وليس غداً ، اتوق لجلسة مباركة من جلساتنا في المسجد أو في بيتهم العامر بالمحبة والثقافة والحوار .

لعلي لم أجد فرقاً بينك وبين الموسيقى الهادئة التي اسمعها ، تبعث في نفسي الدفء ، وتكتب في صفحات فكري ، قصيدة .

حفظك الله ياصديقي ..
 ودمت حلماً جميلاً يساورني ..
 وطيفاً يزروني في صحوي ومنامي
[ Read More ]

لا للجبر نعم للهندسة


كنت في الصف الثاني المتوسط ، أي في الثاني اعدادي كما يعرف في مصر ، مرحلة حرجة لم تمض بدون غرائب وطرائف ، فقد كان عقدة حياتي الجبر وعشق حياتي الهندسة ، نعم بكل مايمكن تصوره من تناقض كنت كذلك .

فقد جلست ادرس مادة الرياضيات تحت يد أخي الحبيب الاكبر مني ( علي ) ، وشرح لي الهندسة فهضمتها كانها قطعة حلوى ، وشرح لي الجبر فحشر في بلعومي كاني ابتلعت قطعة حديد صلبة .

لم افهم ماذا يعني الجبر ، ينتمي ولاينتمي ، اكبر اصغر ، الى اليوم ، احسست اني لن استعملها في حياتي يوماً وبالفعل ، حتى صرنا عدوين لدودين لبعضنا ، الجبر وانا .

عجز اخي مراراً عن ادخالها بمخي فلم يفلح ، حتى وصل به الحد أنه صار يناديني مازحاً بـ ( ذو العقل الاستاتيكي ) الثابت الصلب المتعجرف .

والمؤذي في الموضوع بالنسبة لاخي اني أحصل بالهندسة على درجة 100 و99 بالمائة ، في كل امتحان ، ولكن في الجبر كنت احصل على خيبة امل كبرى لاتتعدى الـ20 والـ30 بالمائة . وهذا بالضبط الذي يجعله يستشيط غضباً ويشد شعره .

اثناء ذلك التحقت بمدرستنا مدرسة جديدة لمادة الجبر والرياضيات ، إسمها استاذة ( إيمان ) ، واعطتنا مادة لابأس بها ، تؤهلنا لامتحانات نصف السنة .

وامتحنّا امتحانات نصف السنة الدراسية ، وجاء يوم الجبر المزعج بالنسبة لي ، فدخلت وفتحت دفتر الامتحان لاكتب الأجوبة فلم اعرف شيئاً ، فحاولت فاجبت على بعض الاسئلة ولكن الاجوبةالاخرى لم اعرفها والاسئلة صعبة ومستعصية ، مع اني درست الجبر حينها حد الغثيان ، ولكن عقلي توقف في تلك اللحظة .

دق جرس نهاية الامتحان ، وقد اعتصر قلبي الماً من شدة الخيبة ، فهذا اول امتحان يمر علية لا اعرف الاجابة عنه ، ودار بذهني 1000 سؤال وعلامة استفهام ، كيف وماذا اقول لو سئلت عن إجابني ؟ ماذا اقول لاخي علي ، ماذا اقول لاهلي ولامي ( رحمها الله )  بالذات ؟

فرجعت الى البيت مكتئباً ، وغلقت باب الغرفة بالمفتاح ، واندرجت في السرير أبكي ، وأبكي بمرارة ، خشية أن اتلعثم في الاجابة اذا سألني احدهم .

وفجأة تذكرت ان معي ربي يحميني ، ويرعاني ، ويساعدني ، فدعوت الله من كل قلبي أن ينجحني كيف شاء ، بعيون تملئها الدموع ، وقلب يترجف بالرجاء ، ويدين مرتفعتان بالامل .

ونمت ...

وبعد انتهاء عطلة نصف السنة ، ذهبت الى المدرسة ، وقلبي يكاد يخرج مني ، إذ حان موعد تسليم دفاتر الامتحان للطلبة لرؤيتها .

ونادت استاذة ايمان بإسمي ، فبدون شعور ووعي ، قفزت متعثراً لاخذ الدفتر ، فقالت 76 بالمائة ، فقلت كم ؟ قالت : حصلت على 76 بالمائة .

فذهلت ، كيف ذلك ، وبسرعة فتحت الدفتر ، فاذا بي ارى العجب العجاب ، لقد وجدت أن المدرسة الرائعة الشقراء الحسناء مدرسة الجبر ، قد مسحت بممحاة قلم الرصاص إجابتي الخاطئة واستبدلتها باجابة صحيحة .

لقد قامت بعمل ذلك بنفسها ، لاادري لماذا ؟ ولا ادري صحيح  مافعلت ام خطأ ، لم اهتم في حينها بقدر مافرحت ، وطرت بهذه النتيجة سابحاً في الفضاء ، وقد اهلتني هذه النتيجة لانجح بمادة الجبر في نهاية العام .

وهنا .. تسائلت ومازلت اتسائل :

هل رحمة الاستاذة ايمان هي التي دفعتها لفعل ذلك .

ام الله الذي استجاب لدعائي ؟

ام كلا الامرين ؟

لا ادري

[ Read More ]

هل أنت مراهق ؟



كنت في سن المراهقة المتأخرة ، في سن التقلب في المزاج ، والتقلب في الاذواق ، والمشاعر وردود الافعال . لم اكن اعرف ماالمطلوب مني سوى النجاح والدراسة ولم اكن اعرف مااريد سوى الذهاب الى المساجد وطلب العلم الشرعي .

قد يبدو ان خيار الالتزام خياراً  ممتازاً للمراهق وخاصة وانت كمربي ومسؤول تشعر باطمئنان وارتياح وضمان من عدم سلوك مسلك الانحراف والوقوع في دوامة حب المراهقة والنساء والسجائر واضف اليها التعاطي لانتشار المخدرات في مجتمعاتنا للاسف .

ولكن هذا الارتياح نسبي اذا ما انقلب السحر على الساحر ، واصبح للمراهق المتدين اسلحة فتاكة من  الافكار التي يسندها بالحجج والبراهين الدامغة من وجهة نظره. فيسوغ ويسوق عنفه بإسم الدين بل ويغطي فشله بإسم الدين وتميل به ميول التطرف وتقذف به امواج التشتت من هنا لهناك. وهذا ماحصل معي بالضبط ، تحوّل تقلب المزاج الى تقلب في الاراء ثم البحث عن رأي يرضيني لاتشبث به دون ان اقبل رد او نقد او اعتراض ، ومن يعترض فعليه اللعنة لانه كافر بالدين وبسنة الله ورسوله .

وانعكس الامر على اسرتي ، فقد كنت اصنفهم اصنافاً هذا فاسق جاهل وهذه فاسقة جاهرة وذلك مشرك شرك اصغر وهذا مشرك شرك اكبر وهذا ظال وتلك مبتدعة. كما انعكس سوء الفهم هذا الى الدراسة ، فرفضت ان الوث فكري بعلوم ارضية موضوعة من بشر ، واضيع عمري على غير هدى الله وكتابه وعلوم شريعته .


صنفت جميع من في البيت ، وتحول الامر بعد اصدار الاحكام والاتهامات على الجميع ، بدأت افرض رايي ورؤيتي ، ولمن يأخذ بها اقاطعه ، باعتباره خارج عن الكتاب والسنة . . . طبعاً اتذكر اني جرحت قلوب اخواتي اللواتي كن يزورننا ، فيسلمون علي ولا ارد ، واذا رددت فارد بعنف ، حتى ان واحدة منهن بكت وقالت ماذا يعني هذه المعاملة القاسية هل انني كافرة ، قلت لها انك غير محجبة يعني فاسقة ، وخلطت الحكم بسوء التصرف وكل هذا خلطته في بوتقة العنف واخرجت منه في النهاية دين يخصني ، ادعي انه دين الله .

فحكمت على المناهج الدراسية بالظلال ، وحكمت على المدارس بانها ظالة مظلة ، وان اساتذتها باعوا ضمائرهم لاجل الدرهم والدينار وعرض الدنيا الزائل . 

فاختلط الحابل بالنابل ، علاقتي بالجميع سيئة حتى بامام المسجد والخادم والمصلين وطلبة العلم ، فكل يتحزب ويتعصب لفكرته ويولول لها ويطنطن بها ويبكي على ليلاه . .. انها المراهقة ، انه التشتت ، انه غياب الوعي وتفشي الايجو ، انه انعدام الموضوعية ، انها التحيز والتعصب .

وما أن دخلت الى الجامعة الاسلامية ، حتى بدأت السحابة تنقشع ، والرؤية تتوضح ، والطريق يستقيم . وانت تجلس بين يدي العلماء واهل التخصص ، فذلك حدث يربيك ويغيرك من الداخل ويحجمك ويعطيك وضعك الذي تستحق ، فلا ترى نفسك اكبر من حجمها متضخمة متغولة ، ولاتراها متقزمة مهينة لاتكاد تبين .

انت تعرف اين انت ، والى اين تريد ان تصل ، هو عمق النضج ، وتعافيك من المراهقة الفكرية ، وهذا ما ينقصنا اليوم ، ان نتعامل مع الحياة بنضج ووعي ، ولاسيما واوطاننا وشعوبنا واسرنا وابنائنا بل حتى انفسنا احياناً لاتعرف اين هي الآن، ولا الى اين تريد .

المراهقة اذن ليست مرحلة عمرية ، بل هي مرحلة كل مرحلة عمرية ، تغزوها وتغزوك ، تتملكك وتتملكها ، بصيغ عديدة وصفقات وتزاوج والتحام . فتصل بك الى ان تصمم الدين على مقاسك ،  والناس على مرامك ، والدولة على مشتهاك والاصدقاء على مبتغاك ، والاعداء على شفرة سيفك وحفرة هاويتك .

حينها يجب ان تعرف حجمك الحقيقي ، والوعي هو الكفيل الوحيد بأن يقدم عنك صورة مستوية واضحة غير مشوهة . . .

 لتعرف من تكون  ..
 وماذا تريد .. 
والى اين انت ذاهب ..
[ Read More ]

سرقت ولم تقطع يدي


وجهت في برنامجي الإذاعي (( إحم إبنك )) لضيفتي الدكتورة " عزة تهامي " ، الاستشارية الاجتماعية المعروفة ، سؤالا محرجاً ، هل سبق وانك سرقت شيئاً ما وأنت صغيرة ؟

فأجابت : نعم .

كان ذلك في معرض حديثنا عن السرقة عند الاطفال ، وذكرت لها بأني قمت بفعل نفس الشيء ولكني لم اسرد قصتي كاملة لان الوقت لم يسعني لفعل ذلك ، لذا أجد من المناسب أن اذكرها الآن ، لما تحمل من معان ٍ وعبر .

واعتقد أن كثيرين سيتذكرون عندما يقرأون هذه السطور حوادث مماثلة مروا بها بأنفسهم ، أو سمعوا عن قصص كان ابطالها إخوانهم أو جيرانهم أو أقاربهم وأصدقائهم .

فعندما كنت صغيراً ، سألت نفسي لماذا ليس لدي راتباً شهرياً كما كان لاخي وأختي مثلاً ، ولماذا هم يملكون مالاً وأنا لا !!!

لذلك كنت اعتقد أن الواجب هو أن يعطي الغني الفقير ، حتى يصبح الجميع يملك مالاً يصرف منه ويستمتع به في اقتناء مايحتاج ، ولكن لم أدرك على ذكاء الفكرة وهي متقدمة على ذهنية طفل بسن 8 سنوات فقط ، يفكر بالتوزيع العادل للثروات ، لم أدرك الطريقة الصحيحة لتحقيق ذلك .

فلم أعرف الزكاة ولا الصدقات ولا الهبات والعطايا ، ولم اعرف الطرق الرائعة لتوزيع الثروات وأعادة التوازن للمجتمع من تغّول الثروات وانحسارها لقلة قليلة تاركين بقية الأغلبية يذهبون الى الجحيم .

لذلك فكرت بسرقة ما أحتاجه من حقيبة أختي الكبرى الممتلئة بالمال ، ولاسيما وأنها استملت راتبها الشهري ، يعني حان موعد توزيع الثروة العادل !

فذهبت وفتحت حقيبتها وأخذت ماشاء الله من الدنانير ، وذهبت أشتري مالذ وطاب من الطعام والشراب ، كأني إبناً لإحد الحكام العرب .

أمرت ونهيت ، وتعاليت وتغطرست على بائع الطعام والعصير ، أنظر اليه بتعالٍ شديد ، وأنا أرمي له النقود ، منتشياً فخوراً بما معي ، وحينما قفلت راجعاً شعرت كأني أطير فوق الارض بضع أشبار ، من هول الانتفاخ الذي ملئني . ثم بعد إن اشتريت ، وإنتعشت ، وفرفشت ، عدت الى البيت ، وكانت المصيبة .

فقد أُفتضح أمري ، ووجدت أسرتي كلهم فوق رأسي ، يرمقوني بعيون ملتهبة ، وكأني احس بحرارة شررها المستطيرة الآن ، وأنا أتذكر هذه اللحظات المريرة ، فبعضهم ينظر بإحتقار ، وبعضهم بغضب ، وبعضهم بأسف .

وأنا كنتيجة طبيعية لم استطع أن أتكلم حرفاً واحدأ فكأني لجمت ، أو خيط فمي بأسلاك شائكة ، الإ أن والدتي ( رحمها الله ) الحكيمة الرحيمة الرقيقة ، أخذتني على هون ، وقالت : إنك لا تكذب وهذا عهدي بك .

فقلت لها : نعم .
قالت : لم أخذت مالا يحق لك أن تأخذه .
قلت لها : بل هو حقي .
قالت : كيف ؟
قلت لها إن اختي الكبرى عندها مالاً كثيراً وليس معي شيء .
قالت : ومن قال أنك لن تملك مالاً ، عندما تكبر وتعمل ؟
قلت لها : سيكون عندي مالاً كثيراً .
قالت : نعم ، وسترفض أن يأخذ مجهودك أحد أويسرق من راتبك شيئاً ، اليس كذلك .
قلت : بلى ، ولو تجرأ أحد وفعل لقطعت يده .
قالت : نحن لن نقطع يدك ، بل نطلب منك ان الإستغفار والأعتذار، وفعلاً اعتذرت لاختي واستغفرت الله وندمت على مافعلت .

ومع الإعتذار و الاستغفار تعلمت دروساً بليغة عظيمة بسبب هذا الحوار الرائع ، وهذا التفهّم والإفهام ، فتعلمت مالم يكن باستطاعتي أن أتعلمه من ألف كتاب وخطبة وموعظة .

ما أردت تثبيته هو أن سرقات الاطفال ليست كلها جرائم خطيرة ومقلقة للوالدين ،وخاصة إذا إستطاع المربي بذكاء وحنكة أن يستثمر الموقف ويقدم موعظته كاروع ما يقوم به المربي والواعظ والمعلم .

ربما تكون محقاً .. 
وأسلوبك لطيفاً ..

وحجتك قوية ..

لكن توقيتك غير مناسب
[ Read More ]

;