ليس من أحد يستطيع أن يدعي أنه تعلم القرآن كاملاً بكل تفصيلات العلم ، فالقرآن بحر بالكاد تعلمت السباحة اليه ، وامامي الكثير للوصول الى مرحلة الغوص في العمق .
فقد بدأت معرفتي بالقرآن منذ الصبا ، وأول من حببني به هو أمي رحمها الله ، كانت تحذرني أن المس المصحف دون وضوء ، فتشعرني بقداسة وهيبة هذا الكتاب ، وكنت أسأل نفسي ماهذا الكتاب وماهي قيمته لدرجة اني يجب أن أتوضأ قبل أن احمل المصحف .
بعد ذلك كنت - وصحب لي - جالسين في مسجد ( السامرائي ) في بغداد ، وهو المسجد الذي ترعرعت فيه ، وكان زاهياً وبهّياً ، وكل شي فيه جميل ، واسعاً ذو باحة وحديقة كبيرة ، وأحمل بين أضعلي أنواره وسكينته ، وفي فكري له ذكريات غاية في الروعة .
فدخلنا المصلى ، وإذا بشاب يدعونا للجلوس بقربه ، فذهبنا وإذا بيديه مصحف ، وسالناه ماتقرأ قال : سوة الكهف ، ومن هنا انطلق الشاب يشرح لنا قصة موسى والرجل الصالح ، وكيف أنه خرق السفينة وقتل الطفل ولم يعد بنيان جدار اليتامى .
وإذا بي اشعر بأن القرآن هذا ليس كتاباً بل هو مجموعة قصصية جميلة وحكايات ذو فوائد وعبر ، وشعرت أن عليّ أن ابحث عن هذه القصص وأقرأ القرآن بنفسي لاكتشف القصص بنفسي وأحكيها للآخرين .
ثم مرت الاعوام وتقربت الى القرآن بالتلاوة والترتيل ، فكان كثيراً مايطلب مني تلاوة القرآن في المدرسة في درس الدين ، ومرة بعد مرة شعرت أن هذا القرآن ليس مجرد قصص وحكايات بل هو مقطوعة غنائية لا تنتهي ( رغم أدائي السيء للتلاوة وعقليتي البسيطة ) ، فقد كنت ارى القرآن بهذه الصورة .
وكن لأ انام الا وأستمع الى تلاوات أصحاب الحناجر الملائكية الشيخ ( عبد الباسط محمد عبد الصمد) واستمع الى الشيخ ( أحمد العجمي ) والشيخ ( محمود الطبلاوي ) والشيخ ( محمد صديق المنشاوي ) والشيخ ( عبد الوهاب الكناكري ) وغيرهم ، ممن كان يشديني صوتهم ، فيضيفون الي من بهاء القرآن حلاوة ، ومن بريق حناجرهم طراوة ، ومن عذوبة أدائهم نداوة .
ومرت الأعوام ، وخطرت لي فكرة أن أحفظ أيات من القرآن ، وفي الحقيقة لم تكن هذه الفكرة من بنيات افكاري ، وليست أصيلة مني ، بل منقولة من مجموعة من شباب المسجد ، رأيتهم يقولون انا اتممت 5 اجزاء ، والآخر يقول انا 10 جزاء ، فقلت لم لا أكون مثلهم ؟
فجربت أن أحفظ وبدأت أنذاك بجزء عم وتبارك ، واتممتهما ، وسبحان ربي كم كان المشوار ساقاً وجميلاً بنفس الوقت ، وقد كنت أفرح ولا زلت إذا ما أهدى الي احد مصحفاً فاخر الطباعة ، وقد تلقيت أكثر من مرة نسخاً من الصحف كهدية نجاحي في المدرسة ، وكنت أشعر بان الله سيوفقني أذا ماستمريت بالقراءة من المصاحف التي لدي .. وأحسست أن هذا القرآن كتاب يتلى آناء الليل وآناء النهار، حافظاً ومحفوظاً ، يشعر المرء بالفرح والسرور والسعادة .
ثم خطوت خطوة أخرى تجاه هذا البحر الزاخر والنور الباهر ، فشجعني أحد الصدقاء المقربين والذي أكن لهم بالفضل والاحترام ( ضياء حسن ) ، شجعني أن أحفظ اجزاء أخرى من القرآن في وقت قياسي على أن يعطيني هدية ، وفعلاً حصلت على هدية رائعة وهي عبارة عن كتاب قيّم ، ثم بما حفظته من كتاب الله تأهلت أن اتقدم للامامة في الصلاة ، وحينها شعرت أن القرآن هذا يجعلني أكون في المقدمة .
ومرت الأيام وإذا بي التقي بشخصية جميلة ( محمد محسن ) في مسجد الرواس في بغداد ، وقد قرأن امامه القرآن فوجد عندي أخطاء في الأحكام ، فدعاني لدراستها عنده ، وفعلاً ذهب اليه يومياً ، نجلس في المسجد ندرس الاحكام ونتعلم التلاوة الصحيحة ، فجزاه الله خيراً أطلق فيّ الشرارة الاولى للنهل في مجال الأحكام .
وبعدها شاركت في مسابقة الفائزالاول للقرآن الكريم في الجامعة العراقية حالياً ( جامعة صدام سابقاً ) ، وحزت على اللقب في قسم التلاوة مناصفة مع صديق لي إسمه د. ياسر ، وقد صار من اعز اصدقائي بعد المسابقة ، وأحسست أن هذا القرآن يجعل المرء تحت الشهرة والاضواء نعم .. ولكن في مرضاة الله .
ثم تتلمذت على يد صديق لي حباه الله بعلم غزير وصوت عذب ندي ( عماد الاسدي ) ، وكنت وصحبة أخرين نأخذ معه أحكام التلاوة وصفات ومخارج الحروف ، وننهل من منهل القرآن فلا نشبع ، ونظل نقرأ ونتعلم ونخشع .
والآن .. بعد كل هذه السنين ، وأنا أعيش بين يدي كلام الله عز وجل ، أغوص في تفسيره وفي بيان معانيه ، وكل يوم أكتشف مالم أدركه ، واتعلم منه مالم أعلم .
وأشعر الآن أضافة الى ماكنت أشعر به تجاه القرآن الكريم ، أن القرآن حياة .. لا يعرفها الا الذين يذوبون حباً وهياماً وشوقاً وقرباً لأعظم ماضمَّ الوجود .. كلام الله الذي لاينفذ ، وقرآنه الهادي للأقوم والأحسن ، مأدبة الله، وحبل الله، وهو النور المبين، والشفاء النافع، لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، ولا يعوج فيقوّم، ولايزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد .
اللهم إجعلنا من أهل القرآن ومن حملة القرآن ومن الداعين للقرآن وبالقرآن ، وأجعله حجة لنا يوم القيامة ولا تجعله حجة علينا يوم نلقاك .. يا أرحم الراحمين .




