مـدونة شخصية جداً .. عصـارة تجـربة أثْـرَث حيـاتي .. وربـمَّا تُثري حيـاتك

Facebook
RSS

قصة عشق مفضوحة

فتحت عيني في الحياة فوجدت إخوتي يقرأون ، وبعضهم يقرأ كتباً وقصصاً وروايات ، وبعضهم يقرأ المجلات والجرائد اليومية والاسبوعية ، وكنت أسمع باسماء الصحف والكتب كمجلة ( ألف باء والراصد واليقضة والنهضة والعربي) ، وأسماء مؤلفين وأدباء كـ ( نجيب محفوظ ويوسف إدريس وأجاثا كريستي وغيرهم ) .

كما حدثت أُلفَةٌ بيني وبين هذه الكتب ومؤلفيها يوماً بعد يوم ، ذلك لاني كنت أنا من يقوم بشرائها من المكتبات لإخوتي ، وذلك عندما كنت في الإبتدائية ، وعندما وصلت الى مرحلة المتوسطة فكنت أرى أخي ( علي ) يستعير قصصاً لاجاثا كريستي المعروفة بحل الغاز الجريمة الغامضة وسرد المغامرات وكذلك قصص شارلوك هولمز وغيره .

كما كان يستعيرها من مكتبة المدرسة ، فيقرأها ولايسمح لي بلمسها ، الإ اني كنت انتظره ينام فاقرأها ، إذ كان يقرأ ويقرأ حتى ينعس وينام ، فيسقط الكتاب الى جانبه ، فالتقطه دون علمه وأقرأ صفحة أو صفحتين فأخاف منها لانها قصص جرائم قتل مرعبة فادعها مكانها .

ثم في نهايات المرحلة الابتدائية أصحبت لدي هواية قراءة الجرائد يومياً ، ثم تحولت الى كتب الدين والفكر في المرحلة المتوسطة ، أقرأ في الفكر الاسلامي كما الماركسي كما المسيحي كما اليهودي ، أقرأ كل كتاب دون خوف أو وجل ، فكنت ولا زلت اعتقد أنه لايوجد كتاب سيئ ولكن هناك قارئ سيئ .

فقرأت في مرحلة الإعدادية ( الثانوية العامة ) كتب الاديان والمذاهب وإطلعت على مضامينها ، وقرأت كتب الادب والشعر ، فكنت أعشق القرآءة حتى أذا رأيتني عرفت من عيني عشقي للكتاب ، فشغفي به يفضحني لاأكاد اخفيه بل لا استطيع أن أخفيه ، فكنت أضع الكتاب قرب رأسي حيث مخدة نومي ، لا يغمض لي عين حتى اتعب من القراءة ، وفي بعض الاحيان أحلم بالكتاب وبشروحه وأفكاره ، من شدة تأثري به .

كلما قرأت كلما ازددت علماً بجهلي كما يقول الامام الشافعي رحمه الله ، فصرت أستحي أن أتحدث الى الناس عن فكرة ما لإني ربما أعتقد بخلافها غداً ، فكنت ولا زلت أؤمن بحرية الفكر وتجدده كل يوم ، وما زلت لا املك فكراً ثابتاً ، لاني اعتقد ان ذلك خطأ ، فمن يملك فكرأ ثابتاً فقد حكم على نفسه بالاعدام (( ركوداً )) حتى الموت .

كنت أقرأ كم كان علماء الاسلام رحبي الصدر في الاختلاف بينهم وبين الاخرين ،يغيرون افكارهم متى ماظهر دليل ارجح ، فلا تجد في سيرة عالم حقيقي فكر ثابت ، بل دائماً ماتجد التغيير والتجديد هو عنوان كل مرحلة عندهم ، كالامام الشافعي رحمه الله مثلا ، الذي أسس مذهبه في العراق ثم مالبث أن غيّره في مصر ، أضف الى ذلك فن الاختلاف عندهم على ردجة عالية من الرقي والتسامح .

كانوا يتناظرون من هنا ويتعانقون من هنا بكل ود واحترام ، فلا تجد في منهجهم رفض أو كراهية أو ضد ، بل قبول وتبيان وعرض للاراء ، حيث كنت أرى ذلك جلياً في كتب ومناظرات إبن تيمية وإبن القيم وإبن حجر ، وفي فكر محمد عبده وحسن البنا وأحمد محمد الراشد وأحمد ديدات ، فكانت السماحة عنوان مايقدمون من نتاج فكري .

كنت أزور بعض المكاتب في الكنائس في بلدي ، وأُستَقبل فيها بكل ترحاب ، كانوا يتقبلون الحوار مني على صغر سني ، فاعقد معهم المناظرات ونتبادل الحجة بالحجة في داخل اروقة الكنائس العريقة في بغداد ، وكنت أتناقش بكل ود واحترام مع كبار الاساتذة في كلية بابل الكلدانية ، ونتبادل الهدايا من الكتب والمطويات ، كما أتناظر مع كبار قادة الكنيسة مثل الأب الدكتور والعالم الراحل ( يوسف حبّي ) في كافة القضايا الحسّاسة في العقيدة واللاهوت ، في القران الكريم والكتاب المقدس .

لم يكن غريباً على علماء ومثقفون أن يستقبلوا افكار شاب مثلي حينها ، بقبول حسن كون ما اقوم بتقديمه معتمد على العلم ومقدم بصورة محترمة ومتسامحة بطريقة معهودة ومعروفة عن الدين الاسلامي .

وعندما نصل على عقدة ما في نقاش ، نتفق أن ندرسها اكثر ، وأن نراجع أقوال العلماء فيها عند الطرفين ، فلا نزاع ، ولا حقد ، ولا تحيز ، فالحوار لايفسد في الود قضية ، فانا اتعلم كما أعنلوا لي بانهم يتعلمون أيضاً مما يعرض اثناء التحاور .

وحين دخلت الجامعة ، قررت أن أنشيء مكتبة صغيرة على قدر الحال ، فبدأت أجمع الكتب كتاباً كتاباً ، وأضمها الى أخواتها حتى صارت بيني وينها علاقة صداقة حميمة ، لا استطيع أن انام قبل ان أزورها واقرأ منها كعادتي . ناهيك عن مكوثي في المكتبات العامة كالمكتبة المركزية والمستنصرية والاعظمية اكثر ساعات النهار ، أنقب فيها عن كنوز الكتب في شتى أصناف العلم والمعرفة .

ولكن .. حدث ماحدث في العراق ، وأضطررت أن أتركها هناك ، تلك المكتبة التي أتذكرها بأسى، وأشتاق لها كأنها واحد من عائلتي ، لما قدمته لي من علم وإنفتاح فكري وغذاء علمي .

فعلاقتي بالكتاب قديمة ، وعلاقتي بالمكتبة فريدة ، وعلاقتي بالمعارف مفيدة ، وشوقي لمكتبتي جارف لايقاوم ، ولا أجد عزاء لفراقي لها ، سوى أنها واحدة من الذي فارقتهم من أعزائي وأحبتي من الاهل والاصدقاء .

إنه الكتاب ..
إنها المكتبة ..
قصة عشق مفضوحة .
[ Read More ]

إن خنته خانك

ليس بمقدر اذن بشرية أن تقاوم الصوت العذب وجرس اللغة وايقاع العبارة ، إذا خاطبتها ببلاغة ورشاقة وعذوبة .

تعرفت على الاسلوب من خلال نصوص المطالعة في المرحلة المتوسطة ، نعم أنها كانت تجربة مبهمة ولم نعي اهدافها ، الا إنها في نهاية الطاف ، تركت في ذهني سؤالاً : ترى ماأهمية الاسلوب ، ومااهمية اللغة السهلة الممتنعة ؟ .

قرأت في درس الادب والنقد ذات مرة عبارة ( السهل الممتنع ) فسألت استاذ المادة عنه فاخبرني بانه كلام يبدو انه سهلاً ، ولكن اذا اردت تقليده او مجاراته يبدو صعباً ، ومن هنا جربت أن اقرأ اكثر ليصبح عندي بستاناً من المفردات والعبارات والجمل والتراكيب التي تسمو بعبارتي الى مستوى السهل الممتنع .

فطرقت أبواب القصة ثم أبواب الشعر ثم ابواب النثر والخواطر النثرية ، فتسلقت عبر مدارجها الى أصبح بمقدوري الإتكاء على عتبة تعبيرية واسلوبية جيدة .

لقد فتح لي النقد الادبي ، نافذة للتحليل والنقد الكتابي للنصوص الدينية وفهمها وتفكيك تراكيبها ، وزود عندي كذلك أدوات التعبير لغوياً ولفظياً كتابة ومحادثة .

ثم أورد الى مسمعي مصطلح ( تكثيف العبارة ) ، وقرأت وعرفت أنها تعني التعبير بكلمات قليلة عن أمورٍ ومعانٍ كثيرةٍ على طريقة ( خير الكلام ماقل ودل ) ، ومثله مصطلح التشخيص وإستنطاق الجماد الذي فتح لدي أسبار الخيال والمجاز والاستعارة والتورية ، وجعلني احلّق في عالم خارج نطاق الورقة والقلم وحدودهما .

إن ما أريد قوله هو أن الاسلوب قد يبدأ باللغة كمادة علمية في منهج دراسي في صف وفي قرطاس وقلم ، ولكن مايلبث حتى تستحيل بمرور الأيام الى اسلوب حياة ، يتحول بك الاسلوب من السطحية الى العمق ، من الكلام الى الفعل ، من المشاعر الى التعبير بالسلوك ، فالكلمات جوفاء وسطحية من غير معانيها ، فلو قلت لك على سبيل المثال كلمة :( يتمحغص) فإن أذنك تستهجنها بالتأكيد ، ونبض قلبك لا ينسجم ورنينها ، ناهيك عن كونها بلا معنى أي : بلا اهمية .

بينما لو قلت لك كلمة ( الحب ) فانها في الحال تصيب بسهم غرامها ، وحلاوة جرسها ، فتتلاعب انغامها على اوتار قلبك ، كما يلعب العازف على اوتار العود والجيتار ، كما ان معناها العميق مهم بالنسبة لك ، لذا شعرت بكل هذه المشاعر .

بناء على ماتقدم يمكن أن أخرج بأمرين :

الأول : أن نحسن إختيار اللفظ ، والمعنى ، فيما يتناسب في مقتضى الحال والزمان والمكان ، فرب كلمة أحيت ورب كلمة أماتت ، { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون } .

الثاني : أن نقدَّر قيمة الاسلوب في الطلب والعطاء ، في البيع والشراء ، في الأخذ والرد ، في الإختلاف والتباين ، في القبول والرفض ، في التوافق والتضاد ، فإن الاسلوب ليس مجرد قالب للمعنى بل معنى للقالب ، قد يقلب موازين مقاصدك إن تهاونت فيه ، فيصل ما أردت إيصاله مشوهاً للآخرين وتفقد بسببه التواصل معهم وقبلها الالفة .

جرّب من الآن ، أن تقرأ قطعة ادبية كل يوم ، من قصة أو رواية ، في كتاب أو جريدة ، ، فربَّ بدايتك هذه قد توصلك الى نهاية رائعة ، فاللغة كائن حي ينمو ويتفاعل مع من ينميه ويتفاعل معه .. شجّع نفسك .. وشجّع من حولك ، شجّع أطفالك وأهل بيتك ، أن تقطفوا جميعاً من أفانين الكلام وثمارالاسلوب أحسنها وأجملها ، فانه أطيب للنفس وأصلح للعمل وأوئد للفتنة وأطهر للصحبة ، قال تعالى : (( قُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا )) .
[ Read More ]

وما أدراك ما كوكو


كنت وأنا صغير امتعض من التربية الصارمة التي تلقيتها واخوتي ، فقد كانت أمي رحمها الله تراقب كل صغيرة وكبيرة ، وتتابع تصرفاتنا ومايطرأ علينا من سلوكيات جديدة ، ومنها مايتعلق بالاتيكيت ومقاطعة حديث الكبار والفوضوية وعدم ترتيب اغراضنا الشخصية ومستلزماتنا المدرسية ومايتعلق باتيكيت الطعام والملبس وتنسيق الالوان

اذكر مرة كنت أتناول معها وجبة الغداء فطاشت يدي فاكلت مما يليها من الطعام ولم آكل مما هو امامي ، فبكل رفق شرحت لي ان هذا لايجوز وأن الصحيح ان آكل مما يليني من طعام . وبعد سنوات كبرت وانا اقرأ في كتاب رياض الصالحين للامام النووي رحمه الله ، عرفت ان الرسول محمد صلى الله عليه السلام قبل اكثر من 1400 سنة ، ذكر ذلك .

فعن أبي حفص عمر بن أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم(( يا غلام سم الله تعالى وكل بيمينك وكل مما يليك )) فما زالت تلك طعمتي بعد " متفق عليه "

كانت هذه مقدمة ضرورية لكي أحدثكم عن (( كوكو )) ، فقد كنا في ظرف حرب الاحتلال الامريكي على العراق ، وكان القصف شديداً على بغداد ، والعقول تكاد تطير من هول ما يحدث ، وكانت العوائل تختبئ وتحتمي بالملاجىء من شدة القصف

فكان أحدنا ينام إذا نام وهو لا يدري هل سيصحو أم لا ؟ يبرزالخوف من ملامح الكبار ومن بين ضحكاتهم وكلماتهم وتقرأ الخوف في أعين الصغار وأنت تستمتع الى صرخاتهم وبكائهم ، والشباب لايسعهم الا حراسة المنطقة والملجأ الذي ينامون فيه

فوجئت بان أختي واولادها جاؤوا هاربين من هول القصف في منطقتهم ، وهي باحثة عن ملجأ آمن هنا ، وبشرتها بأنها ستكون في مأمن معنا ان شاء الله ، وبالفعل انزلتهم الى الملجأ لكي يبيتوا في الملجأ المخصص للعوائل ، فوجدت من جيراننا أناساً نعرفهم جيداً ، فاطمئنت بانهم بخير

خرجت من الملجـأ ، فاذا بصرخة مدوية لها صدى ، نعم هو صوت أختي ، فالتفت فرايتها تقول : أن كوكو هاجمهم ، فارتبكت ولم اعرف عما تتحدث !!! ، من هو كوكو وكيف هاجمهم ، انا للتو كنت عندكم عن اي شيء تتحدثين ؟ قالت : إن إحدى الجارات جلبت معها كلبها البوليسي (( كوكو )) ، وأراد الهجوم على أحد أبنائي ، فلم اصدق ما قالت ، الا أني تذكرت إن احدى الجارات فعلاً لديها كلب بوليسي ، ولكن لم اصدق أنها جلبته الى الملجأ ليبيت وسط الناس .

فرجعت الى الملجأ ورايت الوحش أقصد الكلب البوليسي المسمى زوراً وبهتاناً (( كوكو)) ، فقلت لهم بلطف أرجو أن تجيبوني كيف سينام الناس وبينهم هذا الكلب ؟ فاجابت الجارة صاحبة الكلب : أولاً هذا كوكي ولا تقل عليه كلب ، ثانياً سينام بيننا بشكل عادي

فقلت لها : لقد هاجم اختي واطفالها وهدد استقرارهم ، نحن هاربون من الخوف فلا يعقل ان نهرب من الخوف الى الخوف

فقالت : أنت رجل مثقف ، وهذا من باب حقوق الحيوان والرفق به । فقلت : أين الرفق بالانسان ياسيدتي ؟

فبهتت وقالت : والله لوكان لدي سلسلة لربطته ولكني أعدك أن أحتضنه طوال الليل ولن أدعه يقترب منهم

فضربت على الراح بالراح ، وقلت لاختي إنه قدرك ، نامي الليلة والصباح رباح ، وكنت أعلم علم اليقين ان هذا ضرب من الجنون والهبل ، فلا نوم ولا هدوء ولا راحة ، والسماء تهددنا بالقنابل الخارقة الحارقة ، والارض تهددنا بكلاب بوليسية

وبالفعل جاء الصباح ، ولم تستطع اختي ولا اولادها من النوم ولا هم يحزنون ، إذ ظل (( كوكو )) يسرح ويمرح بالملجأ بين إبتسامات المجاملين وبين وقلة الاتيكيت والذوق عند اصحابه

قررت أختي أن تغادر في اليوم التالي وتذهب الى بيت العائلة ، وتركتني حزيناً وتركتها مرعوبة من ليلة ولا الف ليلة وليلة و هكذا بعض الناس تفكر بأنفسها فقط ، دون أن تراعي حقوق الآخرين ، فتؤذيهم بكلماتهم أومشاعرهم أوسلوكياتهم التي ينقصها التهذيب والذوق والاتيكيت ، فتضيع حقوق الانسان بحجة المحافظة على حقوق الحيوان

تذكرت حينها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي ربّى الناس على الذوق الرفيع ، وتذكرت أمي التي حرصت أن تهذبني وتؤدبني أحسن تأديب ، وتذكرت أختي التي أدين لها بالاعتذار عن هذه الليلة ، واعتذر لكوكو لاني وصفته بـ ( كلب ) لانه بالفعل ليس كلباً بل هو وحش مفترس .

[ Read More ]

فرقة الراية للإنشاد

فكرت كثيراً قبل أن اكتب لكم هذه السطور ، خشية أن اخفق في اعطاء حق من ستذكر اسمائهم لانهم وقبل كل شيء اقول أنهم كبار وقامات شامخة ارفع لهم القبعة حيث كانوا ولايزالون علامة فارقة في حياتي ، اعضاء فريق الراية للانشاد .

بكل اجلال اتحدث عنهم لانهم انموذج الشباب الحي ، والهمة العالية المتصاعدة ، خلقاً وعلماً وادباً ونسباً وعملاً وفناً وابداعاً ، واتذكر اني تعرفت عليهم ولايعرفون اني اهوى التلحين وكتابة الشعر من صغري ولم اكن اعرف عنهم ايضاً انهم ذوو اصوات عذبة شجية ، تعرفت عليهم في مسجد رائع سجلنا بين جدرانه اجمل الذكريات ، الجامع التراثي الاصيل (الشيخ صندل ) الذي يقع في جانب الكرخ من مدينة دار السلام .. بغداد .

وواحد تلو الآخر .. يبهرني بابداعه دون أن ابدي له سوى الاندهاش معجباً بهم ، عبد الله خالد ، واحمد خالد ، ومحمد عباس ، واحمد اكرم ، وانس طارق ، والشهيد مفيد حسن رحمه الله ، وعازفي الدف التوأم الانيق عمر وعلي ، وغيرهم انضم للفريق وخرج منه ، سجل ابداعه وبصمته الشخصية على الفرقة والفريق .

سأذكرهنا ثلاثة قصص تمثل نقاط تحول في الفرقة : الاولى : أنضمام المنشد مفيد حسن رحمه الله الذي استشهد في احداث عنف عام 2004 ، وقد كان انضمامه لفرقة الراية غير مخطط له بالمرة ، فهو كان يدرس في الجامعة الاسلامية حيث ادرس انا ، وسمعته ذات مرة يعني اغنية طربية بصوت عندليبي مذهل ، رايت بعض شباب الجامعة يتحلقون حوله بين موافق ومعارض للغناء يهيمون طرباً ويميلون انساً بمايسمعون .

تبارك الله من حنجرة ، فعلى الفور توجهت اليه وبعد ان انهى الغناء قلت له : هل تنشد ؟ فاجاب نعم ؟ فعرضت عليه الانضمام الى المجموعة ، فاذا به يفرح فرحاً شديداً لانه مل من غناء غير المفيد وفرح فرحاً لانه سنشد مايسعد الناس وينفعهم ايضاً ، وبالفعل رحمه الله كان متلزماً في التواصل مع الفريق رغم انه يعيش بمدينة كركوك وهي محافظه بعيدة نسبياً شمال بغداد وظروف العراق جميعاً وقتها كانت سيئة جداً.

المذهل ان مفيد ذلك الشاب الجميل جاء الى بغداد ليسجل صوته في الالبوم الاول الذي اصدرته فرقة الراية وهو ( اليأس والأمل ) ومن مرة واحدة ودون اخطاء اذهل مفيد مهندس الصوت واذهل الجميع باداء غير عادي ، وبعدها سافر الى كركوك وبعد شهرين تقريباً اخبرنا باستشهاده دون ان يستمع لصوته او يحتفل باصدار الالبوم .

الثانية : ان ايقاع انتشار الفرقة يتصاعد وصيتها بدأ ينتشر إذ نهالت علينا العروض الفنية لاحياء المهرجانات والاحتفالات الاسلامية ، فكنا بمساعدة الرجل الذي تدين الفرقة كلها باعضائها جميعاً لجهوده ، الاخ ابو حارث الشهيد الحي ، الذي كان يأخذ الفرقة بسيارته حباً بنا وايماناً منه باهمية ابداعنا ، لكل المهرجانات والمناسبات حيث نحييها باناشيدنا الخاصة ، اذ كان من مبادئ الفرقة ان لاتنشد الا من انتاجها شعراً ولحناً واداء .

ومن عام 1-10-2002م موعد تأسيس الفرقة وانطلاقها في طريق الاحتراف ، حتى عام 2005 ، قامت الفرقة بعدة حفلات أهمها: حفل مركز المغيرة في زيونة حفل جامع نداء الإسلام حفل جامع القدس في السيدية حفل جامع صندل ورشيد دراغ والتكارته والمعز في الكرخ حفل جامع 14 رمضان في المنصور حفل رابطة الطلبة والشباب العراقية سنة 2005 ويجدر ان اذكر ان الجمهور كان يتفاعل بشده ، ويردد الاناشيد بصوت واحد ، ويصفق ويفرح ويطلب احياناً تكرار بعض الاناشيد التي احبها ، فكان دافعاً بعد رضا الله تعالى على التقدم لابداع اكثر واكبر .

الثالثة : ان المحور الاساسي والعمود الفقري لفرقة الراية ، شخصية رائعة تحفظ كتاب الله وله صوت وصيت دائع في الميادين والمحافل القرانية في داخل القطر وخارجه ، الحائز على المرتبة الثانية كاجمل صوت وتلاوة في مسابقة دبي الدولية للقران الكريم عام 2006 . عبد الله خالد .. الذي حمل على عاتقه انجاز اغلب اناشيد الفرقة ، والكورال مع المبدع الفنان سرمد اكرم ، فكان يتلزم بالبروفات والتمارين كأنه مبتدأ ، ويتدرب حتى يتعب ، ويضل يتواصل مع اللحن والنغم لكي يقدم اجمل مالديه ، وبالفعل صوته صدح بالالبوم كلؤلؤة طربية مميزة .

اقدمت الفرقة على التحضير لالبوما الثاني الا ان البعد والسفر والغربة ، حالت دون ان نستمر وننجز ، وجزى الله من كان السبب في جعل هذا الشمل يتفرق وهذه الكوكبة تتشتت بين الدول والبلدان والمحافظات هنا وهناك .

على اية حال .. ازمعت ان اضع بين ايديكم البوم اليأس والأمل ، عسى ان يعجبكم ويدفعكم الى التحية معي لخير شبيبة عراقية ابت الا ان تقول كلمة الابداع بلحن ونغم وكلمة هادفة ورسائل بناءة على اجنحة فن الانشاد والغناء الملتزم .. فتحية الف تحية لروح الشهيدين : مفيد حسن واحمد القيسي ( ابو حارث ) ، وتحية الف تحية لاعضاء الفرقة الاحباب .



أشودة / هذا من فضل الرحمن / مفيد حسن - عبد الله خالد





وللاستماع الى الالبوم كاملاً في موقع يوتيوب


[ Read More ]

هل مات ابو جهل ؟

العلم نور والجهل ظلام ، وقد كنت احسب وانا صغير السن بأن الجهل هو الامية فقط ، ولكن مع الأيام اتضح لي مالم يكن في حسبان بالي الناشئ ، فقد عرفت ان الجهل ليس ظلاماً فحسب وليس في الامية فحسب بل هو آفة اكلة للبشر مدمرة للحياة ، ينتشر كلنار في الهشيم ، ويدخل في كل شيء يحرقه ويتلفه كما يتلف السرطان خلايا الجسم .

رأيت في حياتي اصنافاً عديدة من البشر ، يجهلون حق الله عليهم وحقهم على الله ، أناس يشركون بالله بشتى الطرق والسلوكيات الجاهلة ، فمنهم من يعبد الملائكة والقبور واهل البيت وعيسى وبوذا والشيطان والنجوم . وقد رأيت بعضهم في حالة مزرية في طقوس غريبة عجيبة تحرق القلب وتسلب اللب .

ورأيت أناساً يجهلون حق الدولة وحقهم على الدولة ، لايعرفون قوانين الطلب وسنن التغيير بدون عنف او استسلام ، وحكومات حمقى ، تستعبد الناس وكأنها اشترتهم من سوق النخاسة ، تقبع على قلوبهم سنوناً ، ومع علمها انها مرفوضة تكابر من قلة مرؤئتها وحيائها .

ورأيت أناساً يجهلون حق آبائهم وحقوقهم على آبائهم ، فذات مرة رأيت رجلاً يبكي ، فسألته مالذي يبكيك ، فأخبرني بان ابنه طرده من البيت وقد اضطر الى اللجوء الى المسجد ، وذهبنا بمعية شيخ المسجد الى بيت ولده لنحل القضية ، فاذا بالابن يسرد لنا قصصاً تجرّم هذا الاب ، فقد كان يؤذي ابنه من طفولته حتى اشتد عوده وصار رجلاً ، فزرع بابنه مايحصده اليوم منه . وحلت القضية ولكن في العمق هناك سوسة تأكل وهو الجهل في الحقوق والواجبات .

رأيت اناساً يجهلون حق اعمالهم ، فلايؤدون واجبهم كما ينبغي بل لايعرفون ان يؤدونه اصلاً لانهم وصلوا اليه بالواسطة والرشوة والمحسوبيات ( الكوسة ) ، ومنهم من يحسبون على اهل العلم وحملة الشهادات العليا ، وبعضهم اشترى شهادته ، وبكل قبح وجرأة مذمومة يواجه الطلبة في الجامعات بجهله ، ويقابل من الطلبة بسيل عرمرم من الاسئلة المحرجة التي لايفتأ يتمتم ويتأتا ويرمي شمالاً ويميناً حتى ينتهي الدرس فيدخل في ازمة جديدة ودوامة اخرى في صف آخر .

ورأيت أناساً يجهلون حق المجتمع عليهم ، فاحيانا تكاد تموت من الضحك والبكاء مما يخط ويكتب على الحائط من التعليقات لمنع هؤلاء من التبول او التغوط او البصق في الشارع والارصفة واسفل الجسور والزوايا المعتمة ، مواقف تدمي القلب وتوجع الضمير ، حين يعم الجهل ويوصل معتنقيه الى الانحطاط الذوقي والتلوث البيئي .

ورأيت اناساً يجهلون حب الدين ، فبعضهم يتطرف فيقدم نفسه كبش فداء لقضية لا يعرفها لمجرد انه قيل له انها في سبيل الله ، وبعضهم يتفانى في اداء ما لايقدر عليه ، فيؤذن بصوت قبيح نشاز ، فيخرب مزاج المصلين وغيرهم فيسبب تلوثاً سمعياً ، وبعضهم يتكلم فيما لايعلم لمجرد انه يدافع عن الدين وكأن الدين وسلامة الدين وبقاء الدين متوقف على جاهل مثله .

ورأيت أناساً يجهلون انهم جاهلون ، فكثير من السياسيين لايعرفون انها علم وفن ، فتراه من سائق لعربة حمار ( اجلّكم الله ) الى نائب بمجلس الشعب والبرلمان ، وكثير من الناس يتكلمون في السياسة وكأنها طبق يومي في متناول الجميع ، وبعضهم يمضغ لحوم علماء الدين والفتوى بغير حق ولا دليل ، وبعضهم يتكلم في اعراض الناس ويصدر منتديات للفضائح ومواقع للقيل والقال والبلبلة والاشاعات ، وبعضهم يوقد برامج لاشعال الحرائق وايقاد الفتن .

ورأيت اناساً يجهلون حق انفسهم ، خائفون دون سبب ، يخونون انفسهم وهو امناء ، ويتهمون انفسهم وهم شرفاء ، ويستغفرون تقصيرهم وهم اتقياء ، ويؤنبون ضمائرهم وهو انقياء ، هؤلاء قلة قليلة ولكنها موجودة ، بعضها خامل غير عامل ، لو تقدم واحدهم الى العمل في الساحة لازاح بإذن الله جحافل من المبطلين وتركهم جانباً ، كما تزيح العملة الجيدة العملة الردئية من السوق .

ورأيت اناساً يعرفون قيمة انفسهم وقدراتهم التي حباهم الله بها ، يؤدون زكاة العلم بالعمل ، فاعلون وقادرون ومؤثرون ، يقول فيفعل ، يحاول فينجح ، يجرب فيتعلم ، يحاور فيقنع ، يفاوض فيتفق ، ينصح فيسدد المسار ، يصبر فينال ، يَشْكر فُيشكر ، ممتن لله ولنفسه ولاسرته وللمجتمع ، ذلك لانه القى عن كاهله رداء الجهل ، ورفع لواء العلم والتواضع والبساطة فاسعد نفسه واسعد غيره .

اعتقد ان الذي رأيته من اصناف البشر لدليل واضح قاطع ان ابا جهل لم يمت ، اذا خلّف اولاداً واحفاداً يحملون رايته معتزين بسيرته وممجدين لبطولاته وسائرين على نهجه ، اختاروا طريق الجهل المؤلم المظلم المعتم المدمر .

فهل تريد أن تصحبهم ، او أن تعتنق فكرهم ، وتنتهج نهجهم ؟

فالحل بسيط ، والطريق اليهم سهل ...

فهم يعيشون بيننا في كل مكان ... ويعيثون فساداً في كل مكان
[ Read More ]

كفاحي وعصامي

كفاحي وعصامي لقد استغربت كثيراً عندما سمعت هاتين الكلميتن لاول مرة ، فقد دفعني هذا الاندهاش الى ان اسأل عن معناهما ، فعرفت أن معنى كلمة كفاحي هو الكدح والاصرار وتجاوز المصاعب ، ثم عرفت انه عنوان كتاب لهتلر ، يسرد فيه كفاحه حسب مايراه ، ومعنى الكلمة عصامي هي الاعتماد بعد الله سبحانه على الذات في مشوار الحياة .

وصرت اقلبهما في ذهني وافكر فيهما ملياً ، ثم تحول هذا التفكير الى حماسة في خوض تجربة الكفاح والعمل والاصرار ، وان اعتمد على نفسي في مشوار النجاح .

لقد جربت ان اكون رساماً عالمياً ، ثم دخلت التجربة ولم استمر ، جربت ان اكون خطيباً مفوهاً ثم لم يعجبني الامر ، جربت ان اكون طبيب اسنان فوجدت نفسي اميل للادبي وليس للعلمي ، وجربت ان اكون عازفاً ماهراً فلم استمر ، وجربت بيع الكتب ، فقد قررت ان اعمل كل يوم جمعة في بيع الكتب ، افترش الكتب المنوعة امام احد المساجد وابيع ، فلم استمر ، وجربت بيع الحلويات ، والحقائب ، واشرطة الفيديو ، والملابس ، وغيرها من المهن فلم استمر .

جربت ان اكون مكافحاً وعصامياً اكثر ، فعملت في تصليح تبريد السيارات ، فلم استمر ، وجربت العمل والتعامل مع اصناف من البشر كثيرة ومتنوعة ومختلفة ، الجيد منها والرديء ، واكتسبت الكثير من المهارات وكأني سافرت الى مدن عديدة وقرأت مئات الكتب والمؤلفات ، لكثرة ماتزودت به من خبرات ، ومع ذلك لم استمر .

جربت التدريس فاحببته ولكن لم آخذ فرصتي كاملة ، ولكن على اية حال لم استمر فيه هو الاخر . جربت العمل التطوعي فوجدت فيه لذة ، وجربت خدمة الناس في الاستماع اليهم وتقديم النصح لهم فرأيت اني اقترب منها ، واحبها واحب نفسي فيها ، ثم جربت العمل في الاعلام وتقديم البرامج النافعة للناس ، فالهب قلبي بريق الاضواء والكاميرا والعمل الاعلامي ، وشعرت اني وجدت مايجعلني اكون مكافحاً وعصامياً .

عشقت المايكرفون ، وشعرت بانه الاقرب للنفوس كون ان اول ماخلق فينا هو السمع ، وان التواصل طيلة فترة حمل امهاتنا بنا عبر السمع ، نستمع الى الاصوات وتستمتع بها حتى دون ان نفهم . لقد جربت ، وفي كل تجربة مخاض عسير والم ومشقة ، شعرت انه الكفاح ، وفي كل لحظة اخط فيها خط سير جديد مختلف على الاول ، ولا اجد من يساعدني فيه ، اشعر اني عصامي ، واني استحق ان اكون شيئاً في الحياة .

رغم معارضة العائلة ، الذي يرون هذا تشتت احياناً ، ويرونه غير مجدياً احياناً اخرى ، ويرونه مضيعة للوقت ومهلكة للذهن في غير محله طوراً آخر ، ولكن مع حبي الشديد واحترامي الاشد ، كنت مصراً على أن اجرب طعم الكفاح والعصامية بنفسي ، فان نجحت نجحت وبها ونعمت ، وان لم انجح فاني حاولت ان أنجح على اقل تقدير . انا مع التجربة .. ومع الفشل في التجربة لانها ستولد خبرة ، ومع الانفتاح على الهوايات والعلوم والمهن ، انا مع البحث عن الذات في محيط التجارب ، ومع ايجاد الموقع المناسب للانسان ، ومع ان يبحث بنفسه عنه .

وهذا يشكل فارقاً كبيراً ، لان كل انسان يعمل مايحب ، يقدم افضل مالديه ، عكس من اجبر على عمل او تخصص دراسي ومهني ، فانه سينطفئ فيه جذوة الكفاح والعصامية . الطفل والطفولة حقل التجارب الذاتية ومسرح الابداع ، ادعو كل الاباء والامهات الى ان ينطلقوا ويطلقوا فيها الحرية لاطفالهم للتجربة ، مع الرقابة الرشيدة ، والنظر من بعيد والى بعيد ، ماذا يرغبون وماذا يعملون والى اي شيء يميلون ، فزمن الذكاء الواحد قد ولى ، فاليوم هناك ذكاءات متعددة .

لقد احببت ان تشاركوني فن التجربة ، والكفاح ، والعصامية ...

مع الامتنان لكل من كافح معي وكافح لاجلي ...

ففي النهاية لايوجد كفاح مطلق ولا عصامية مطلقة ...
[ Read More ]

;