مـدونة شخصية جداً .. عصـارة تجـربة أثْـرَث حيـاتي .. وربـمَّا تُثري حيـاتك

Facebook
RSS

وما أدراك ما كوكو

-
د. عمار عبد الغني


كنت وأنا صغير امتعض من التربية الصارمة التي تلقيتها واخوتي ، فقد كانت أمي رحمها الله تراقب كل صغيرة وكبيرة ، وتتابع تصرفاتنا ومايطرأ علينا من سلوكيات جديدة ، ومنها مايتعلق بالاتيكيت ومقاطعة حديث الكبار والفوضوية وعدم ترتيب اغراضنا الشخصية ومستلزماتنا المدرسية ومايتعلق باتيكيت الطعام والملبس وتنسيق الالوان

اذكر مرة كنت أتناول معها وجبة الغداء فطاشت يدي فاكلت مما يليها من الطعام ولم آكل مما هو امامي ، فبكل رفق شرحت لي ان هذا لايجوز وأن الصحيح ان آكل مما يليني من طعام . وبعد سنوات كبرت وانا اقرأ في كتاب رياض الصالحين للامام النووي رحمه الله ، عرفت ان الرسول محمد صلى الله عليه السلام قبل اكثر من 1400 سنة ، ذكر ذلك .

فعن أبي حفص عمر بن أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم(( يا غلام سم الله تعالى وكل بيمينك وكل مما يليك )) فما زالت تلك طعمتي بعد " متفق عليه "

كانت هذه مقدمة ضرورية لكي أحدثكم عن (( كوكو )) ، فقد كنا في ظرف حرب الاحتلال الامريكي على العراق ، وكان القصف شديداً على بغداد ، والعقول تكاد تطير من هول ما يحدث ، وكانت العوائل تختبئ وتحتمي بالملاجىء من شدة القصف

فكان أحدنا ينام إذا نام وهو لا يدري هل سيصحو أم لا ؟ يبرزالخوف من ملامح الكبار ومن بين ضحكاتهم وكلماتهم وتقرأ الخوف في أعين الصغار وأنت تستمتع الى صرخاتهم وبكائهم ، والشباب لايسعهم الا حراسة المنطقة والملجأ الذي ينامون فيه

فوجئت بان أختي واولادها جاؤوا هاربين من هول القصف في منطقتهم ، وهي باحثة عن ملجأ آمن هنا ، وبشرتها بأنها ستكون في مأمن معنا ان شاء الله ، وبالفعل انزلتهم الى الملجأ لكي يبيتوا في الملجأ المخصص للعوائل ، فوجدت من جيراننا أناساً نعرفهم جيداً ، فاطمئنت بانهم بخير

خرجت من الملجـأ ، فاذا بصرخة مدوية لها صدى ، نعم هو صوت أختي ، فالتفت فرايتها تقول : أن كوكو هاجمهم ، فارتبكت ولم اعرف عما تتحدث !!! ، من هو كوكو وكيف هاجمهم ، انا للتو كنت عندكم عن اي شيء تتحدثين ؟ قالت : إن إحدى الجارات جلبت معها كلبها البوليسي (( كوكو )) ، وأراد الهجوم على أحد أبنائي ، فلم اصدق ما قالت ، الا أني تذكرت إن احدى الجارات فعلاً لديها كلب بوليسي ، ولكن لم اصدق أنها جلبته الى الملجأ ليبيت وسط الناس .

فرجعت الى الملجأ ورايت الوحش أقصد الكلب البوليسي المسمى زوراً وبهتاناً (( كوكو)) ، فقلت لهم بلطف أرجو أن تجيبوني كيف سينام الناس وبينهم هذا الكلب ؟ فاجابت الجارة صاحبة الكلب : أولاً هذا كوكي ولا تقل عليه كلب ، ثانياً سينام بيننا بشكل عادي

فقلت لها : لقد هاجم اختي واطفالها وهدد استقرارهم ، نحن هاربون من الخوف فلا يعقل ان نهرب من الخوف الى الخوف

فقالت : أنت رجل مثقف ، وهذا من باب حقوق الحيوان والرفق به । فقلت : أين الرفق بالانسان ياسيدتي ؟

فبهتت وقالت : والله لوكان لدي سلسلة لربطته ولكني أعدك أن أحتضنه طوال الليل ولن أدعه يقترب منهم

فضربت على الراح بالراح ، وقلت لاختي إنه قدرك ، نامي الليلة والصباح رباح ، وكنت أعلم علم اليقين ان هذا ضرب من الجنون والهبل ، فلا نوم ولا هدوء ولا راحة ، والسماء تهددنا بالقنابل الخارقة الحارقة ، والارض تهددنا بكلاب بوليسية

وبالفعل جاء الصباح ، ولم تستطع اختي ولا اولادها من النوم ولا هم يحزنون ، إذ ظل (( كوكو )) يسرح ويمرح بالملجأ بين إبتسامات المجاملين وبين وقلة الاتيكيت والذوق عند اصحابه

قررت أختي أن تغادر في اليوم التالي وتذهب الى بيت العائلة ، وتركتني حزيناً وتركتها مرعوبة من ليلة ولا الف ليلة وليلة و هكذا بعض الناس تفكر بأنفسها فقط ، دون أن تراعي حقوق الآخرين ، فتؤذيهم بكلماتهم أومشاعرهم أوسلوكياتهم التي ينقصها التهذيب والذوق والاتيكيت ، فتضيع حقوق الانسان بحجة المحافظة على حقوق الحيوان

تذكرت حينها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي ربّى الناس على الذوق الرفيع ، وتذكرت أمي التي حرصت أن تهذبني وتؤدبني أحسن تأديب ، وتذكرت أختي التي أدين لها بالاعتذار عن هذه الليلة ، واعتذر لكوكو لاني وصفته بـ ( كلب ) لانه بالفعل ليس كلباً بل هو وحش مفترس .

4 Responses so far.

  1. المركمين says:

    فاقد الشئ لايعطيه،الله سبحانه وتعالى خلق الانسان وكرمه على جميع المخلوقات،وجاء الرسول صلوات الله وسلمه عليه ليهدب هدا الخلق بما له إتجاه سائر الخلق وماعليه،ويابى الكثيرون إلا ان يقلدوا الغرب في معتقداتهم ،فاصبحت راحة كوكو اولى من راحة المكرمين من فوق سبع سموات،فلله الامر من قبل ومن بعد..شكرا على هده القصة الجميلة دكتور

  2. سلمت يادكتور ، وأحسنت أن رأيت فيما رأيت أن النهج القويم ألا نقاوم فهم دوافع الكبار بشأن تربية الأحبة ، ولو غلظت فى الأنظار صور تلك المرائى . http://alqashat.web.officelive.com/wael.aspx

  3. شكراً جزيلا ً اخي صاحب هذه السطور الرائعة .. اشكرك لتواجدك الطيب .. دمت بود

  4. اشكرك استاذ محمد على تنوريك مدونتي المتواضعة ، والحقيقة كما قلت ، الا انه صدقني الموقف اكبر من الوصف ، حماك الله من رؤية امثاله ..

    دمت بود وخير وسلام

Leave a Reply

;