مـدونة شخصية جداً .. عصـارة تجـربة أثْـرَث حيـاتي .. وربـمَّا تُثري حيـاتك

Facebook
RSS

إن خنته خانك

-
د. عمار عبد الغني

ليس بمقدر اذن بشرية أن تقاوم الصوت العذب وجرس اللغة وايقاع العبارة ، إذا خاطبتها ببلاغة ورشاقة وعذوبة .

تعرفت على الاسلوب من خلال نصوص المطالعة في المرحلة المتوسطة ، نعم أنها كانت تجربة مبهمة ولم نعي اهدافها ، الا إنها في نهاية الطاف ، تركت في ذهني سؤالاً : ترى ماأهمية الاسلوب ، ومااهمية اللغة السهلة الممتنعة ؟ .

قرأت في درس الادب والنقد ذات مرة عبارة ( السهل الممتنع ) فسألت استاذ المادة عنه فاخبرني بانه كلام يبدو انه سهلاً ، ولكن اذا اردت تقليده او مجاراته يبدو صعباً ، ومن هنا جربت أن اقرأ اكثر ليصبح عندي بستاناً من المفردات والعبارات والجمل والتراكيب التي تسمو بعبارتي الى مستوى السهل الممتنع .

فطرقت أبواب القصة ثم أبواب الشعر ثم ابواب النثر والخواطر النثرية ، فتسلقت عبر مدارجها الى أصبح بمقدوري الإتكاء على عتبة تعبيرية واسلوبية جيدة .

لقد فتح لي النقد الادبي ، نافذة للتحليل والنقد الكتابي للنصوص الدينية وفهمها وتفكيك تراكيبها ، وزود عندي كذلك أدوات التعبير لغوياً ولفظياً كتابة ومحادثة .

ثم أورد الى مسمعي مصطلح ( تكثيف العبارة ) ، وقرأت وعرفت أنها تعني التعبير بكلمات قليلة عن أمورٍ ومعانٍ كثيرةٍ على طريقة ( خير الكلام ماقل ودل ) ، ومثله مصطلح التشخيص وإستنطاق الجماد الذي فتح لدي أسبار الخيال والمجاز والاستعارة والتورية ، وجعلني احلّق في عالم خارج نطاق الورقة والقلم وحدودهما .

إن ما أريد قوله هو أن الاسلوب قد يبدأ باللغة كمادة علمية في منهج دراسي في صف وفي قرطاس وقلم ، ولكن مايلبث حتى تستحيل بمرور الأيام الى اسلوب حياة ، يتحول بك الاسلوب من السطحية الى العمق ، من الكلام الى الفعل ، من المشاعر الى التعبير بالسلوك ، فالكلمات جوفاء وسطحية من غير معانيها ، فلو قلت لك على سبيل المثال كلمة :( يتمحغص) فإن أذنك تستهجنها بالتأكيد ، ونبض قلبك لا ينسجم ورنينها ، ناهيك عن كونها بلا معنى أي : بلا اهمية .

بينما لو قلت لك كلمة ( الحب ) فانها في الحال تصيب بسهم غرامها ، وحلاوة جرسها ، فتتلاعب انغامها على اوتار قلبك ، كما يلعب العازف على اوتار العود والجيتار ، كما ان معناها العميق مهم بالنسبة لك ، لذا شعرت بكل هذه المشاعر .

بناء على ماتقدم يمكن أن أخرج بأمرين :

الأول : أن نحسن إختيار اللفظ ، والمعنى ، فيما يتناسب في مقتضى الحال والزمان والمكان ، فرب كلمة أحيت ورب كلمة أماتت ، { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون } .

الثاني : أن نقدَّر قيمة الاسلوب في الطلب والعطاء ، في البيع والشراء ، في الأخذ والرد ، في الإختلاف والتباين ، في القبول والرفض ، في التوافق والتضاد ، فإن الاسلوب ليس مجرد قالب للمعنى بل معنى للقالب ، قد يقلب موازين مقاصدك إن تهاونت فيه ، فيصل ما أردت إيصاله مشوهاً للآخرين وتفقد بسببه التواصل معهم وقبلها الالفة .

جرّب من الآن ، أن تقرأ قطعة ادبية كل يوم ، من قصة أو رواية ، في كتاب أو جريدة ، ، فربَّ بدايتك هذه قد توصلك الى نهاية رائعة ، فاللغة كائن حي ينمو ويتفاعل مع من ينميه ويتفاعل معه .. شجّع نفسك .. وشجّع من حولك ، شجّع أطفالك وأهل بيتك ، أن تقطفوا جميعاً من أفانين الكلام وثمارالاسلوب أحسنها وأجملها ، فانه أطيب للنفس وأصلح للعمل وأوئد للفتنة وأطهر للصحبة ، قال تعالى : (( قُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا )) .

Leave a Reply

;