فتحت عيني في الحياة فوجدت إخوتي يقرأون ، وبعضهم يقرأ كتباً وقصصاً وروايات ، وبعضهم يقرأ المجلات والجرائد اليومية والاسبوعية ، وكنت أسمع باسماء الصحف والكتب كمجلة ( ألف باء والراصد واليقضة والنهضة والعربي) ، وأسماء مؤلفين وأدباء كـ ( نجيب محفوظ ويوسف إدريس وأجاثا كريستي وغيرهم ) .كما حدثت أُلفَةٌ بيني وبين هذه الكتب ومؤلفيها يوماً بعد يوم ، ذلك لاني كنت أنا من يقوم بشرائها من المكتبات لإخوتي ، وذلك عندما كنت في الإبتدائية ، وعندما وصلت الى مرحلة المتوسطة فكنت أرى أخي ( علي ) يستعير قصصاً لاجاثا كريستي المعروفة بحل الغاز الجريمة الغامضة وسرد المغامرات وكذلك قصص شارلوك هولمز وغيره .
كما كان يستعيرها من مكتبة المدرسة ، فيقرأها ولايسمح لي بلمسها ، الإ اني كنت انتظره ينام فاقرأها ، إذ كان يقرأ ويقرأ حتى ينعس وينام ، فيسقط الكتاب الى جانبه ، فالتقطه دون علمه وأقرأ صفحة أو صفحتين فأخاف منها لانها قصص جرائم قتل مرعبة فادعها مكانها .
ثم في نهايات المرحلة الابتدائية أصحبت لدي هواية قراءة الجرائد يومياً ، ثم تحولت الى كتب الدين والفكر في المرحلة المتوسطة ، أقرأ في الفكر الاسلامي كما الماركسي كما المسيحي كما اليهودي ، أقرأ كل كتاب دون خوف أو وجل ، فكنت ولا زلت اعتقد أنه لايوجد كتاب سيئ ولكن هناك قارئ سيئ .
فقرأت في مرحلة الإعدادية ( الثانوية العامة ) كتب الاديان والمذاهب وإطلعت على مضامينها ، وقرأت كتب الادب والشعر ، فكنت أعشق القرآءة حتى أذا رأيتني عرفت من عيني عشقي للكتاب ، فشغفي به يفضحني لاأكاد اخفيه بل لا استطيع أن أخفيه ، فكنت أضع الكتاب قرب رأسي حيث مخدة نومي ، لا يغمض لي عين حتى اتعب من القراءة ، وفي بعض الاحيان أحلم بالكتاب وبشروحه وأفكاره ، من شدة تأثري به .
كلما قرأت كلما ازددت علماً بجهلي كما يقول الامام الشافعي رحمه الله ، فصرت أستحي أن أتحدث الى الناس عن فكرة ما لإني ربما أعتقد بخلافها غداً ، فكنت ولا زلت أؤمن بحرية الفكر وتجدده كل يوم ، وما زلت لا املك فكراً ثابتاً ، لاني اعتقد ان ذلك خطأ ، فمن يملك فكرأ ثابتاً فقد حكم على نفسه بالاعدام (( ركوداً )) حتى الموت .
كنت أقرأ كم كان علماء الاسلام رحبي الصدر في الاختلاف بينهم وبين الاخرين ،يغيرون افكارهم متى ماظهر دليل ارجح ، فلا تجد في سيرة عالم حقيقي فكر ثابت ، بل دائماً ماتجد التغيير والتجديد هو عنوان كل مرحلة عندهم ، كالامام الشافعي رحمه الله مثلا ، الذي أسس مذهبه في العراق ثم مالبث أن غيّره في مصر ، أضف الى ذلك فن الاختلاف عندهم على ردجة عالية من الرقي والتسامح .
كانوا يتناظرون من هنا ويتعانقون من هنا بكل ود واحترام ، فلا تجد في منهجهم رفض أو كراهية أو ضد ، بل قبول وتبيان وعرض للاراء ، حيث كنت أرى ذلك جلياً في كتب ومناظرات إبن تيمية وإبن القيم وإبن حجر ، وفي فكر محمد عبده وحسن البنا وأحمد محمد الراشد وأحمد ديدات ، فكانت السماحة عنوان مايقدمون من نتاج فكري .
كنت أزور بعض المكاتب في الكنائس في بلدي ، وأُستَقبل فيها بكل ترحاب ، كانوا يتقبلون الحوار مني على صغر سني ، فاعقد معهم المناظرات ونتبادل الحجة بالحجة في داخل اروقة الكنائس العريقة في بغداد ، وكنت أتناقش بكل ود واحترام مع كبار الاساتذة في كلية بابل الكلدانية ، ونتبادل الهدايا من الكتب والمطويات ، كما أتناظر مع كبار قادة الكنيسة مثل الأب الدكتور والعالم الراحل ( يوسف حبّي ) في كافة القضايا الحسّاسة في العقيدة واللاهوت ، في القران الكريم والكتاب المقدس .
لم يكن غريباً على علماء ومثقفون أن يستقبلوا افكار شاب مثلي حينها ، بقبول حسن كون ما اقوم بتقديمه معتمد على العلم ومقدم بصورة محترمة ومتسامحة بطريقة معهودة ومعروفة عن الدين الاسلامي .
وعندما نصل على عقدة ما في نقاش ، نتفق أن ندرسها اكثر ، وأن نراجع أقوال العلماء فيها عند الطرفين ، فلا نزاع ، ولا حقد ، ولا تحيز ، فالحوار لايفسد في الود قضية ، فانا اتعلم كما أعنلوا لي بانهم يتعلمون أيضاً مما يعرض اثناء التحاور .
وحين دخلت الجامعة ، قررت أن أنشيء مكتبة صغيرة على قدر الحال ، فبدأت أجمع الكتب كتاباً كتاباً ، وأضمها الى أخواتها حتى صارت بيني وينها علاقة صداقة حميمة ، لا استطيع أن انام قبل ان أزورها واقرأ منها كعادتي . ناهيك عن مكوثي في المكتبات العامة كالمكتبة المركزية والمستنصرية والاعظمية اكثر ساعات النهار ، أنقب فيها عن كنوز الكتب في شتى أصناف العلم والمعرفة .
ولكن .. حدث ماحدث في العراق ، وأضطررت أن أتركها هناك ، تلك المكتبة التي أتذكرها بأسى، وأشتاق لها كأنها واحد من عائلتي ، لما قدمته لي من علم وإنفتاح فكري وغذاء علمي .
فعلاقتي بالكتاب قديمة ، وعلاقتي بالمكتبة فريدة ، وعلاقتي بالمعارف مفيدة ، وشوقي لمكتبتي جارف لايقاوم ، ولا أجد عزاء لفراقي لها ، سوى أنها واحدة من الذي فارقتهم من أعزائي وأحبتي من الاهل والاصدقاء .
إنه الكتاب ..
إنها المكتبة ..
قصة عشق مفضوحة .
كنت أزور بعض المكاتب في الكنائس في بلدي ، وأُستَقبل فيها بكل ترحاب ، كانوا يتقبلون الحوار مني على صغر سني ، فاعقد معهم المناظرات ونتبادل الحجة بالحجة في داخل اروقة الكنائس العريقة في بغداد ، وكنت أتناقش بكل ود واحترام مع كبار الاساتذة في كلية بابل الكلدانية ، ونتبادل الهدايا من الكتب والمطويات ، كما أتناظر مع كبار قادة الكنيسة مثل الأب الدكتور والعالم الراحل ( يوسف حبّي ) في كافة القضايا الحسّاسة في العقيدة واللاهوت ، في القران الكريم والكتاب المقدس .
لم يكن غريباً على علماء ومثقفون أن يستقبلوا افكار شاب مثلي حينها ، بقبول حسن كون ما اقوم بتقديمه معتمد على العلم ومقدم بصورة محترمة ومتسامحة بطريقة معهودة ومعروفة عن الدين الاسلامي .
وعندما نصل على عقدة ما في نقاش ، نتفق أن ندرسها اكثر ، وأن نراجع أقوال العلماء فيها عند الطرفين ، فلا نزاع ، ولا حقد ، ولا تحيز ، فالحوار لايفسد في الود قضية ، فانا اتعلم كما أعنلوا لي بانهم يتعلمون أيضاً مما يعرض اثناء التحاور .
وحين دخلت الجامعة ، قررت أن أنشيء مكتبة صغيرة على قدر الحال ، فبدأت أجمع الكتب كتاباً كتاباً ، وأضمها الى أخواتها حتى صارت بيني وينها علاقة صداقة حميمة ، لا استطيع أن انام قبل ان أزورها واقرأ منها كعادتي . ناهيك عن مكوثي في المكتبات العامة كالمكتبة المركزية والمستنصرية والاعظمية اكثر ساعات النهار ، أنقب فيها عن كنوز الكتب في شتى أصناف العلم والمعرفة .
ولكن .. حدث ماحدث في العراق ، وأضطررت أن أتركها هناك ، تلك المكتبة التي أتذكرها بأسى، وأشتاق لها كأنها واحد من عائلتي ، لما قدمته لي من علم وإنفتاح فكري وغذاء علمي .
فعلاقتي بالكتاب قديمة ، وعلاقتي بالمكتبة فريدة ، وعلاقتي بالمعارف مفيدة ، وشوقي لمكتبتي جارف لايقاوم ، ولا أجد عزاء لفراقي لها ، سوى أنها واحدة من الذي فارقتهم من أعزائي وأحبتي من الاهل والاصدقاء .
إنه الكتاب ..
إنها المكتبة ..
قصة عشق مفضوحة .





جميلة ورائعة جدا يا دكتور عمار كنت لا احب الكتب لاكن عندما قرات مدونتك احببت الكتب كثيرا لدرجة انها اصبحت اختي وجزء من حياتي وهذا كله بفضلك والان اخطط لجمع الكتب حتى تصبح مكتبة ضخمة شكراااااااااااااااااااا
رائع .. اسعدني ماذكرت واشكرك لانك اسعدتني ، الحمد لله الذي جعل كلماتي مصدر لابداعك .. الى الامام
ودمت بود