كنت اهتم بموضوع الصدق والكذب والى يومنا هذا ايمّا اهتمام ، ولعل هذا ما تعلمته من اسلوب (أمي) رحمها الله ، في التربية ، فقد كانت تقول لي دائمــاً : ( انت صادق .. وأعرف أنك لا تكذب ) ، فكنت كلما طلب مني شهادة على ارتكاب مشكلة مع ابناء الجيران ، اعترف مباشرة باني من بدأ الشجار لاني اتذكر باني صادق واني لا اكذب على الاقل أمام أمي .واجهت صراعاً تجاه المجتمع الذي بدأت اكتشف فنون الكذب التي يمارسها ، فنوناً تصنف بانها غير عادية ، ومع هذا صمدت في مراحل الطفولة ، وتلقيت اصنافاً من العقوبات الجسدية والنفسية لتأديبي لاني لم اكذب لانجو ، بل صدقت فتادبت .
و في مرحلة المراهقة ، واجهت اصنافاً من البشر واصنافاً من الاستهزاء ، لاني لا اكذب فابدو غبياً او ساذجاً في اضعف الاحوال ، فربما سالني الاستاذ لم تأخرت على الدرس فاجيبه كنت نائماً فاطرد ، واذكر اني دخلت الى طبيبة الاسنان لاخذ رخصة مرضية لتأجيل موعد الامتحان فسألتني ما مرضك ؟ فقلت لها لاشيء ، فنهرتني وكررت سؤالها واجبت لا شيء ، قالت : اذاً لماذا اتيت ؟ فقلت لها لاجل تأجيل الامتحان ، فطردتني . ثم مالبثت أن ادخلتني وهي عاطفة قائلة : لانك صادق ساعطيك منحة ، ووقعت الاجازة ونجوت من الامتحان .
واخرى مازحني فيها احد الاساتذة في الجامعة ، وقد دخلت الصف متأخراً فقال اين كنت ؟ قلت له في المطعم ، فقال صاحبي : لا كنا في المسجد ، فقلت : لا في المطعم . فقال الاستاذ : من كان في المطعم يدخل لانه صادق ، ومن كان في المسجد فليذهب يصلي ملياً ، ثم ضحك وقال : امازحكما ، وقال لصاحبي : لقد شفع لك صدق صاحبك ، فدخلنا الى الصف مبتسمين .
لقد خسرت كثيراً من الناس ، بسبب الصدق ، لان من التزم النصح قلّ أولياؤه ، فإن الغالب على الناس اتباع الأهواء حتى تذكرت قول أبوذر الغفاري" ما ترك الحقُّ لي صديقاً " ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : « ما ترك الحق لعمر من صديق» .
واصعب خسارة عندما يخسرك احد بسبب صدقك ، لا تدري اتأسف عليه ام عليك ، تخسر واحد تلو الآخر ، فيهوى واحد بعد الآخر ، حتى تبقى صديق صدقك .
كل الناس قادرون على الصراحة ، ولكن ليس كل الناس قادرون على الحوار ، فالحوار فن ، واقناع ، وتلاقح افكار وتبادل قناعات ، لا يجيده كل الناس وهذا منطقي ، ولكن غير المنطقي أن ينتج عن هذا الفن تخاصماً ، بحيث ينقلب الحوار الى حرب .
اذكر اني تعرفت على شخصية ما ، لم تلق قبولاً نفسياً لدي ، ولكن قاسيت على تحمله لشدة صعوبة شخصية ، احتراماً للقاءات متكررة جمعتنا سوية ، فمر وقت على تعارفنا ، ثم مر وقت على تبادل الافكار عبر التحاور المباشر وجهاً لوجه وعبر التحاور غير المباشر عبر الماسنجر .
ولكن لم استطع استساغته ، فطلبت لقاءه ذات يوم ، والتقينا وسألته هو ترضى ان يكذب عليك احد ؟ فقال : لا ، فقلت له : انا لا اكذب عليك واصدقك القول فيك ، قال: اسمعك ، قلت له : اني اعتذر عن استمرار صداقتنا لاني لا استطيع ان اتقبلك صديقاً ، فقال : اذن اعلنت الحرب على نفسك ، فقلت له : اذا كانت الحرب جزاء الصدق ، فمرحباً بالحرب .
ولم ارى وجهه منذ 14 عاماً مضت ، ولم يستطع أن يتفهم الصدق ، حتى وإن قُدَّم له بطريقة فنية ذكية صادقة ، وكذلك لم ينفذ اي تهديد فلم يستطع أن ينهي الصداقة بذكاء .
الكثيرون لا يتقبل الكثيرين ، الا بالاقنعة ، فبات الواحد منّا لا يستطيع أن يعيش الا بقناع ، ولكن منذ أن عرفت الاقنعة ، تذكرت أن امي رحمها الله ( حاربت ) القناع عندي منذ طفولتي فلم يصبح لدي قناع ، وتأكد عندي خيبة المقنعون الخائفون من الظهور كما هم .
المقنعون غير واثقين بانفسهم وقبل ذلك غير واثقين بعظمة من خلقهم على احسن تقويم ، وتذكرت ايضاً اني وضعت فوق سرير نومي لوحة مكتوب فيها ( الصدق في اقوالنا اقوالنا .. والكذب في افعالنا افعالنا ) .
وتذكرت وانا اكتب هذه السطور كم برمجت وعلى مدار سنين أن اكون كما أنا ، اعيش بلا اقنعة ، رضي من رضي وغضب من غضب ، وللتأريخ اقولها لقد اكرمني الله لصدقي بإخوة وصحب كالجواهر بل اثمن والله ، اصحاب اتقياء انقياء ، احبوني كما أنا ، كما احببتهم دون اقنعة .
وعندما اضع الكثير الذين خسرتهم بسبب صدقي معهم في كفة ، واضع القليل الذي ربحتهم في كفة اخرى ، تميل بالصادقين كفة الميزان على قلتّهم ، دون ادنى شك او ريب .







