مـدونة شخصية جداً .. عصـارة تجـربة أثْـرَث حيـاتي .. وربـمَّا تُثري حيـاتك

Facebook
RSS

وتميل بالصادقين .. كفّةُ الميزان

-
د. عمار عبد الغني



كنت اهتم بموضوع الصدق والكذب والى يومنا هذا ايمّا اهتمام ، ولعل هذا ما تعلمته من اسلوب (أمي) رحمها الله ، في التربية ، فقد كانت تقول لي دائمــاً : ( انت صادق .. وأعرف أنك لا تكذب ) ، فكنت كلما طلب مني شهادة على ارتكاب مشكلة مع ابناء الجيران ، اعترف مباشرة باني من بدأ الشجار لاني اتذكر باني صادق واني لا اكذب على الاقل أمام أمي .

واجهت صراعاً تجاه المجتمع الذي بدأت اكتشف فنون الكذب التي يمارسها ، فنوناً تصنف بانها غير عادية ، ومع هذا صمدت في مراحل الطفولة ، وتلقيت اصنافاً من العقوبات الجسدية والنفسية لتأديبي لاني لم اكذب لانجو ، بل صدقت فتادبت .


و في مرحلة المراهقة ، واجهت اصنافاً من البشر واصنافاً من الاستهزاء ، لاني لا اكذب فابدو غبياً او ساذجاً في اضعف الاحوال ، فربما سالني الاستاذ لم تأخرت على الدرس فاجيبه كنت نائماً فاطرد ، واذكر اني دخلت الى طبيبة الاسنان لاخذ رخصة مرضية لتأجيل موعد الامتحان فسألتني ما مرضك ؟ فقلت لها لاشيء ، فنهرتني وكررت سؤالها واجبت لا شيء ، قالت : اذاً لماذا اتيت ؟ فقلت لها لاجل تأجيل الامتحان ، فطردتني . ثم مالبثت أن ادخلتني وهي عاطفة قائلة : لانك صادق ساعطيك منحة ، ووقعت الاجازة ونجوت من الامتحان .


واخرى مازحني فيها احد الاساتذة في الجامعة ، وقد دخلت الصف متأخراً فقال اين كنت ؟ قلت له في المطعم ، فقال صاحبي : لا كنا في المسجد ، فقلت : لا في المطعم . فقال الاستاذ : من كان في المطعم يدخل لانه صادق ، ومن كان في المسجد فليذهب يصلي ملياً ، ثم ضحك وقال : امازحكما ، وقال لصاحبي : لقد شفع لك صدق صاحبك ، فدخلنا الى الصف مبتسمين .


لقد خسرت كثيراً من الناس ، بسبب الصدق ، لان من التزم النصح قلّ أولياؤه ، فإن الغالب على الناس اتباع الأهواء حتى تذكرت قول أبوذر الغفاري" ما ترك الحقُّ لي صديقاً " ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : « ما ترك الحق لعمر من صديق» .


واصعب خسارة عندما يخسرك احد بسبب صدقك ، لا تدري اتأسف عليه ام عليك ، تخسر واحد تلو الآخر ، فيهوى واحد بعد الآخر ، حتى تبقى صديق صدقك .


كل الناس قادرون على الصراحة ، ولكن ليس كل الناس قادرون على الحوار ، فالحوار فن ، واقناع ، وتلاقح افكار وتبادل قناعات ، لا يجيده كل الناس وهذا منطقي ، ولكن غير المنطقي أن ينتج عن هذا الفن تخاصماً ، بحيث ينقلب الحوار الى حرب .


اذكر اني تعرفت على شخصية ما ، لم تلق قبولاً نفسياً لدي ، ولكن قاسيت على تحمله لشدة صعوبة شخصية ، احتراماً للقاءات متكررة جمعتنا سوية ، فمر وقت على تعارفنا ، ثم مر وقت على تبادل الافكار عبر التحاور المباشر وجهاً لوجه وعبر التحاور غير المباشر عبر الماسنجر .


ولكن لم استطع استساغته ، فطلبت لقاءه ذات يوم ، والتقينا وسألته هو ترضى ان يكذب عليك احد ؟ فقال : لا ، فقلت له : انا لا اكذب عليك واصدقك القول فيك ، قال: اسمعك ، قلت له : اني اعتذر عن استمرار صداقتنا لاني لا استطيع ان اتقبلك صديقاً ، فقال : اذن اعلنت الحرب على نفسك ، فقلت له : اذا كانت الحرب جزاء الصدق ، فمرحباً بالحرب .


ولم ارى وجهه منذ 14 عاماً مضت ، ولم يستطع أن يتفهم الصدق ، حتى وإن قُدَّم له بطريقة فنية ذكية صادقة ، وكذلك لم ينفذ اي تهديد فلم يستطع أن ينهي الصداقة بذكاء .


الكثيرون لا يتقبل الكثيرين ، الا بالاقنعة ، فبات الواحد منّا لا يستطيع أن يعيش الا بقناع ، ولكن منذ أن عرفت الاقنعة ، تذكرت أن امي رحمها الله ( حاربت ) القناع عندي منذ طفولتي فلم يصبح لدي قناع ، وتأكد عندي خيبة المقنعون الخائفون من الظهور كما هم .


المقنعون غير واثقين بانفسهم وقبل ذلك غير واثقين بعظمة من خلقهم على احسن تقويم ، وتذكرت ايضاً اني وضعت فوق سرير نومي لوحة مكتوب فيها ( الصدق في اقوالنا اقوالنا .. والكذب في افعالنا افعالنا ) .


وتذكرت وانا اكتب هذه السطور كم برمجت وعلى مدار سنين أن اكون كما أنا ، اعيش بلا اقنعة ، رضي من رضي وغضب من غضب ، وللتأريخ اقولها لقد اكرمني الله لصدقي بإخوة وصحب كالجواهر بل اثمن والله ، اصحاب اتقياء انقياء ، احبوني كما أنا ، كما احببتهم دون اقنعة .


وعندما اضع الكثير الذين خسرتهم بسبب صدقي معهم في كفة ، واضع القليل الذي ربحتهم في كفة اخرى ، تميل بالصادقين كفة الميزان على قلتّهم ، دون ادنى شك او ريب .

16 Responses so far.

  1. غير معرف says:

    رائع جدا جداا

    النفس المطمئنة

  2. انت اروع اختي الفاضلة

    شكراً لتواجدك الطيب

  3. غير معرف says:

    رحم الله والدتك على ما عودتك عليه ... عندما جعلت الصدق أمرا طبيعيا لديك ... بينما نحن تربينا على العكس... لكني أعتقد أن الوقت لم يفت لاعتماد الصدق اسلوبا في الحياة, اليس كذلك؟
    أتمنى أن تزيدنا من تجاربك الشخصية لأنها تشعر الآخرين أنها أقرب للواقع
    أرجو أن ترجح كفة الصادقين لدينا كذلك
    شكرا لك..... نايا

  4. Tamtoma says:

    كلام رائع
    ما أجمل الصدق و اول الصدق هو صدقنا مع انفسنا
    بارك الله لك بتربية والدتك رحمها الله
    حقا ان الامهات لهن فضل كبير علينا

    دمت بخير

  5. اشكرك يانايا لتشريفك المدونة الشخصية اختي العزيزة ، حفظ الله والديك وادم ظلهما الوارف عليك ، بالتأكيد ستميل كفة الصادقين لديك .. انها سنّة كونية .. إنها سنّة الحياة

    دمت واعية

  6. Tamtoma

    اشكرك على تواجدك ومدونتك ( احب الله ) جميلة جداً وبداية طيبة ، حفظ الله والديك على كلماتك الجميلة ، شكراً لك اختي العزيزة مرة اخرى .

    دمت بخير وسعادة

  7. Unknown says:

    لي صديقا كان يقول دائما ان النجاة في الصدق ولكن كلما قال الصدق تعرض للاذى ولكن هذا حال الصادقين اسال الله تغالى ان يجعلنا من الصادقين

  8. غير معرف says:

    وهل الصداقة بدون الصدق في القول والعمل تسمى كذلك الا عند الذين يجهلون معناهاوقيمتها عند الله وعند عباده.والضمير الفطن المرتاح لا يقبل بصداقة الكاذب والمنافق وهذا هو حا لنا نا شاء الله رب العالمين الى يوم الدين ولا نبالي بقلةالاصحاب الصالحين لان فيهم الخير الكثير.فالمهم هو الصحبة الصالحة لا كثرتهااي النوعية لا الكمية.

  9. غير معرف says:

    كتبت باسم غير غير معرف يوم23يناير2011 24;10 وانا djamlia bouzeria وتعليقي يبدا ب هل الصداقةبدون الصدق في الكلام............ الى الكمية.وسلام.

  10. غير معرف says:

    ما اروعك ربي يحفضك ويرحم والديك
    جزاك الله خير على التنبيه الى دور الام في التربية

    الأم مدرسة إذا اعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق

    ربي يجزيها خير الجزاء حبيبي الغالي
    والسلام

  11. Haider / اشكرك اخي الحبيب على تعليقك .. صحيح أن الصادقين يتعرضون للإذى ، ولكن ليس المطلوب أن احكم على الناس بحجة الصدق والصراحة ، مالي وهم ؟ المطلوب الصدق مع النفس ومع الآخرين نعم ولكن بدون حكم ، واقول لك هذا الكلام حتى لا نخفف على صديقك من اوجاع المحاربين والمنتقدين والمخالفين .

    لك الود نورت المدونة

  12. djamlia bouzeria / دكتورة اشكر حضورك الرائع هنا ، واود القول بأن الصداقة اليوم عند الكثيرين مع الاسف يجب أن يشوبها مايسميه البعض بـ " النفاق الاجتماعي " فتأملي الى اي حال وصل الصادقون من العزلة والنظر اليهم بازدراء ويمارس عليهم عقوبات عرفية واجتماعية صارمة بسبب صدقهم !!!

    جعلك الله من القلة القليلة الصادقة .. ودمت بالف خير

  13. الاخ صاحب التعليق الجميل والدعاء الطيب .. هلا عرفتنا باسمك حتى يتسنى لنا شكرك ؟

    على اية حال شكراً لك من اعماق القلب وعلاّك الله وغلاّك ورفع قدرك ، لك الود والاحترام

  14. غير معرف says:

    ومازال الرجل يصدق حتى يكتب عند الله صديقا

  15. أسأل الله أن يكتبك من الصديقين

  16. اللهم آمين .. واياكم ان شاء الله .. دمتم بخير

Leave a Reply

;