مـدونة شخصية جداً .. عصـارة تجـربة أثْـرَث حيـاتي .. وربـمَّا تُثري حيـاتك

Facebook
RSS

صندوق العجائب


في الماضي ..
وتحديداً قبل عقد ونيف من الزمن ..
كان صندوق البريد يعد " أعجوبة " من العجائب ..
ومن يمتلك صندوق بريد كان يمثل رمز من رموز الترف . وخاصة في ظرف كالذي نعيش فيه في العراق آنذاك .

كان حساب الصندوق ، له غاية واحدة في بادئ الامر وهو التعارف ، فراسلت مجاميع عديدة تحب التعارف ، ومن ثم تعدت الغاية الى أبعد من التعارف وهي الدعوة الى الله .

ففكرت أن انفع الناس وانشر الخير بينهم ، عبر ارسال مواعظ وحكم في العقيدة والشريعة  ، ثم تطورت لحل مشاكل الناس الاجتماعية والعاطفية ونصحهم بما ينفعهم وخاصة المراهقين .

وفي ذات يوم ، إستشارني صديق لي استشارة زوجية ، تخص علاقته بزوجته التي يشكوها الجفاء  ، وأخبرني بأنها تستفزه بانه لايستطيع العيش بدونها ، بينما هو يزعم انه يستطيع الزواج من أخرى وأن يجلب لها منافسة .

ويظل هذا السجال ، وفي كل مرة تقول له : إن كان لديك اخرى لكشفتك فالمرأة لديها الحاسة السادسة والسابعة والعاشرة ، وتستطيع كشف خيانة زوجها بسهولة  ، ثم لا تعجب بك غيري ، فشكلك عادي ، وراتبك  محدود ، ولديك ديون كثيرة ، فكيف تغتر بك امرأة وتحبك سواي ، انا ذات الحظ العاثر .

فطرقت لذهني فكرة ، فاخبرته باني سوف اساعده في الحال ، واني سوف اجعل له زوجته كخاتم في اصبعه ، تأتمر بامره ، وتنتهي بنواهيه .

فاقترحت عليه هذه الخطة ...

 ان ارسل له رسالة عبر البريد ، بأسم فتاة مستعار ، واكتب له رسالة حب جياشة ، تمطر عشقاً وتعصف إحساساً  ، وفعلاً نفذنا الخطة ، فارسلت الرسالة وانتظر صديقنا ١٥ يوماً ، حتى وصلت لصندوق البريد  ، ثم ذهب وقد اعطيته مفتاح الصندوق من قبل ، وقد كشفه لزوجته فرأت المفتاح ، ولما سألته عنه ، غيّر الموضوع واصطنع شيئاً من الارتباك ليجعلها تشك وتتلاعب الظنون بها  ، وكل ذلك كان وفقاً للخطة طبعاً ، ولما استلم الرسالة ، دخل بها الى البيت وهو متخفي ، يمثل دور اللصوصية باقتدار  ، وارتكن الى ركن بعيد منعزل ، وفتح الرسالة ، وقرأها ، ورأى مافيها من نثر وشعر وغزل ، حتى تمنّى انها له حقيقة .

واثناء وضع الرسالة مع مجموعة اوراق له ، احس بزوجته وهي مقبلة للغرفة ، فاصطنع الاندهاش ، وقال لها : لماذا لم تستأذني قبل الدخول ؟ وبصوت خافت يملئة الحيرة ، وبعين محاصرة بالتساؤلات ، قالت له : آسفة  . 


 بينما ظل الشك يلعب معها لعبة القط والفأر ، قررت البحث عن ما خبأه زوجها عنها ، وتجنب ان تتطلع عليه وتعرفه  ، وفعلا ً عثرت على الرسالة ، وقرأتها وهي ترتجف اكثر من مرة ، حسب مااعترفت لصديقنا فيما بعد ، وبكت وصرخت وضربت رأسها ووجهها الماً وحسرة على زهرة شبابها التي ضيعته على زوج خائن .

وواجهته بالحقيقة ، فاعترف ولم ينكر ، وسألته عن السبب ، فاخبرها بانها هي السبب ، هي التي لم تعرف قيمة زوجها ، وهي التي لم تثق بانه قد يسرق منها في اي لحظة غفلة منها ، تهمل فيها زوجها ، او تنتقص منه ، او تعيره ، او تتحداه .

كانت واقفة فجلست ، والبكاء مختنق في فمها ، فبالكاد أستطاعت أن تسفر عن ندمها وتقول : أعتذر لك عن كل شئ ، وسامحني لاني لم اقدر جوهرتي الثمينة ، وقال لها بدوره : الحمد لله الذي اعاد لك رشدك ، واطمئني فان الموضوع ليس حقيقياً ، بل أن الامر قد دُبّر بليل ، لكشف مابداخلك من حب لزوجك وحرص عليه  ، وأخبرها أن صاحب الفكرة هو عمّار ، وانه ذاهب لشكره ، وفعلاً جاء صديقي ليشكرني وهو يحمل لي امانة من زوجته ... كلمات .

مجرد كلمات تقول :

بارك الله فيك ، فكرتك أعادت الحب لبيتنا ، ولكن حذاري من تكرارها معي ثانية ، فليست كل مرّة تسلم الجرّة 
[ Read More ]

الحلم الذي لم يكتمل بعد


في ليلة من ليالي القاهرة الجميلة، وانا استمع لموسيقى هادئة حالمة ، موسيقى عذبة مريحة للنفس والروح ، فيها من اصوات الطبيعة مافيها ، قدحت في ذهني زناد فكرة ، احببت أن اكتبها كتعبير عن الوفاء لانسان مر في حياتي كالحلم .

 ***

انتهيت من الصلاة ذات مرة في مسجدنا القريب من بيتنا ، وسلمت يميناً ً السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وشمالاً السلام عليكم ورحمة الله  ، واذا بي افاجئ بشخص يجلس الى جانبي في الصلاة كانه القمر في ليلة البدر .

شاب وسيم ، وجهه منير ، يبدو عليه انه طيب القلب ، ابتسم لي ابتسامة اخوية ودودة وهو يسلم عليَّ ، وانا بتعجب سلمت عليه وسألته عن إسمه فاجاب ان اسمه ( حسام ) .

وشرح فيما بعد سبب زياراته القليلة للمسجد واخبرني بانه ضيف على ابناء عمومته في المنطقة ، وهو يقطن في منطقة أخرى .

ثم صار حسام يتردد كل فترة على المسجد ، والتقي به ، وفي كل مرة اتوق لرؤيته ، والسماع لحديثه ، فكان دافء المشاعر رقيق القلب ، صادق النية ، ويحب كل الناس .

ذات يوم تلقيت منه دعوة لزيارته في بيته ، وفعلا تشرفت بالزيارة ، وعرفني على اجمل عائلة زرتها آنذاك ، والدته حفظها الله كانت كأمي من شدة حنوها علينا ، واخوته كانوا كاخوة لي ، أحبهم ويحبوني على الرغم من اشتعال الاجواء بحوارات ومناقشات في العلم والدين .

اذ دار بيننا حواراً مسيحياً اسلامياً ، طويل الامد ، كون أن والدتهم مسيحية الاصل ، وانجبت حسام واخوته من أب مسلم .

وكانت والدته على درجة رفيعة من الثقافة العامة ، مما جعل الحديث معها في كل الموضوعات رائعاً وعلمياً الى ابعد الحدود .

وزادت مع الايام وشائجنا أنا واخي الحبيب حسام ، حتى صار الشوق يحدونا للقاء ، ولايمضي الكثير من الوقت حتى أزوره او يزورني ، والوئام يزداد يوماً بعد يوم .

ولكن مالبث الحلم برهة حتى بدأ بالتلاشي ، فقد انتقلت الى منطقة اخرى ، وحينها لم استطع اخبار حسام بمكاننا الجديد ، وهو لم يستطع زيارة اقاربه لخلافات عائلية حالت دون ذلك .

فاخذ البعد يشق طريقه بيننا ويحول دون ان نلتقي في ظل عدم وجود الهاتف المحمول في ذلك الوقت ولا اي وسيلة اتصال اخرى ، فلم يكن لدي هاتف ارضي كذلك ، ولكن مع هذا بقي ساكناً بوجداني واتذكره دائماً ، كيف لا والمقربون مني يعرفون أني أقدس الصداقة واحترمها كقيمة سامية  ناهيك عن كونه يستحق ذلك .

وزاد الطين بلة حينما غزا الامريكان بلدي ، وتباعد الناس حتى القريب ، فهاجر من هاجر وتشرد من تشرد وقتل من قتل ، وصار ان يموت لديك شخصان من اصدقائك كل اسبوع امراً طبيعياً ، حتى أنت صرت لاتضمن في اي لحظة يخطفك الموت .

وسافرت الى القاهرة ، وظل حسام ذلك الحلم الذي لم يكتمل ، وظل هاجساً في داخلي لسنوات كثيرة ، وانا لااعرف هل هو حي يرزق وانه على قيد الحياة ام لا ، ولا اعرف هل سنتلقي مرة أخرى ام لا ، وكيف ولماذا ومتى واين ؟؟؟

وفي احدى اليالي رن هاتفي ، واذا بي اتلقى مكالمة من الاردن ، يسالني هل انت عمار ؟ فقلت نعم ، فقال : انا عامر صديقك القديم اعمل الان في سنترال لي في الاردن ، وفرحت جداً بعامر وسألته عن اخوته وابناء عموته اصدقائي الرائعين .

 ***

وتسائلت كيف عرف رقم التلفون ؟ ، فقال : لدي زبون طلب مني ان اتصل بهذا الرقم ووجدت اسمك مكتوباً في الاسفل ، فسالته : هل هو عمار الرجل الكذا وكذا واعطيته اوصافك ، فقال هو بعينه ، فتعجبت وقلت سبحان الله معقول هذا الكلام ؟

طيب من هذا الرجل  ؟  فقال : خذ وكلمّه .

واذا بي استمع لشخص يقول لي السلام عليكم عيوني

 فقلت : منْ ؟

فقال : الم تعرفني ؟

قلت : اعتذر صوتك ليس بالغريب ولكن لم استطع التعرف عليك

فقال : انا حسام

لا ابالغ ان قلت بان عقلي توقف ، لخمس الى عشر ثوان ، لااعرف ماذا اقول ، هل انا استمعت خطأ ، هل هوحقيقة ام حلم .. لاادري

وبعدها عدت الى انتباهتي من شرودي هذا ، ورحبت به بمايليق ، وفاجئني بانه حصل على رقمي بعد ان ظهرت في احدى البرامج التلفزيونية ، وفرح بمشاهدته وقرر ان يتصل .

لم يبق حسام في الاردن ، فقد ارسل لي رسالة ، أخبرني بانه ذهب الى امريكا ، وصرت اتحادث معه عبر الانترنت ، واسرته الودودة التي اعدها كاسرتي واخوته كاخوتي .

ربما والى يومنا هذا لم تسعني الفرصة ان اقول لحسام انه بالنسبة لي حلم جميل ، لا ينتهي في البعد بل يزداد شوقاً ، وانه قيمة انسانية شخصية ، احترمها واقدرها واضعها عالياً ، في مكانها الذي يستحق .

 ***

حسام صديقي الذي ارجو لقائه ، اليوم وليس غداً ، اتوق لجلسة مباركة من جلساتنا في المسجد أو في بيتهم العامر بالمحبة والثقافة والحوار .

لعلي لم أجد فرقاً بينك وبين الموسيقى الهادئة التي اسمعها ، تبعث في نفسي الدفء ، وتكتب في صفحات فكري ، قصيدة .

حفظك الله ياصديقي ..
 ودمت حلماً جميلاً يساورني ..
 وطيفاً يزروني في صحوي ومنامي
[ Read More ]

لا للجبر نعم للهندسة


كنت في الصف الثاني المتوسط ، أي في الثاني اعدادي كما يعرف في مصر ، مرحلة حرجة لم تمض بدون غرائب وطرائف ، فقد كان عقدة حياتي الجبر وعشق حياتي الهندسة ، نعم بكل مايمكن تصوره من تناقض كنت كذلك .

فقد جلست ادرس مادة الرياضيات تحت يد أخي الحبيب الاكبر مني ( علي ) ، وشرح لي الهندسة فهضمتها كانها قطعة حلوى ، وشرح لي الجبر فحشر في بلعومي كاني ابتلعت قطعة حديد صلبة .

لم افهم ماذا يعني الجبر ، ينتمي ولاينتمي ، اكبر اصغر ، الى اليوم ، احسست اني لن استعملها في حياتي يوماً وبالفعل ، حتى صرنا عدوين لدودين لبعضنا ، الجبر وانا .

عجز اخي مراراً عن ادخالها بمخي فلم يفلح ، حتى وصل به الحد أنه صار يناديني مازحاً بـ ( ذو العقل الاستاتيكي ) الثابت الصلب المتعجرف .

والمؤذي في الموضوع بالنسبة لاخي اني أحصل بالهندسة على درجة 100 و99 بالمائة ، في كل امتحان ، ولكن في الجبر كنت احصل على خيبة امل كبرى لاتتعدى الـ20 والـ30 بالمائة . وهذا بالضبط الذي يجعله يستشيط غضباً ويشد شعره .

اثناء ذلك التحقت بمدرستنا مدرسة جديدة لمادة الجبر والرياضيات ، إسمها استاذة ( إيمان ) ، واعطتنا مادة لابأس بها ، تؤهلنا لامتحانات نصف السنة .

وامتحنّا امتحانات نصف السنة الدراسية ، وجاء يوم الجبر المزعج بالنسبة لي ، فدخلت وفتحت دفتر الامتحان لاكتب الأجوبة فلم اعرف شيئاً ، فحاولت فاجبت على بعض الاسئلة ولكن الاجوبةالاخرى لم اعرفها والاسئلة صعبة ومستعصية ، مع اني درست الجبر حينها حد الغثيان ، ولكن عقلي توقف في تلك اللحظة .

دق جرس نهاية الامتحان ، وقد اعتصر قلبي الماً من شدة الخيبة ، فهذا اول امتحان يمر علية لا اعرف الاجابة عنه ، ودار بذهني 1000 سؤال وعلامة استفهام ، كيف وماذا اقول لو سئلت عن إجابني ؟ ماذا اقول لاخي علي ، ماذا اقول لاهلي ولامي ( رحمها الله )  بالذات ؟

فرجعت الى البيت مكتئباً ، وغلقت باب الغرفة بالمفتاح ، واندرجت في السرير أبكي ، وأبكي بمرارة ، خشية أن اتلعثم في الاجابة اذا سألني احدهم .

وفجأة تذكرت ان معي ربي يحميني ، ويرعاني ، ويساعدني ، فدعوت الله من كل قلبي أن ينجحني كيف شاء ، بعيون تملئها الدموع ، وقلب يترجف بالرجاء ، ويدين مرتفعتان بالامل .

ونمت ...

وبعد انتهاء عطلة نصف السنة ، ذهبت الى المدرسة ، وقلبي يكاد يخرج مني ، إذ حان موعد تسليم دفاتر الامتحان للطلبة لرؤيتها .

ونادت استاذة ايمان بإسمي ، فبدون شعور ووعي ، قفزت متعثراً لاخذ الدفتر ، فقالت 76 بالمائة ، فقلت كم ؟ قالت : حصلت على 76 بالمائة .

فذهلت ، كيف ذلك ، وبسرعة فتحت الدفتر ، فاذا بي ارى العجب العجاب ، لقد وجدت أن المدرسة الرائعة الشقراء الحسناء مدرسة الجبر ، قد مسحت بممحاة قلم الرصاص إجابتي الخاطئة واستبدلتها باجابة صحيحة .

لقد قامت بعمل ذلك بنفسها ، لاادري لماذا ؟ ولا ادري صحيح  مافعلت ام خطأ ، لم اهتم في حينها بقدر مافرحت ، وطرت بهذه النتيجة سابحاً في الفضاء ، وقد اهلتني هذه النتيجة لانجح بمادة الجبر في نهاية العام .

وهنا .. تسائلت ومازلت اتسائل :

هل رحمة الاستاذة ايمان هي التي دفعتها لفعل ذلك .

ام الله الذي استجاب لدعائي ؟

ام كلا الامرين ؟

لا ادري

[ Read More ]

هل أنت مراهق ؟



كنت في سن المراهقة المتأخرة ، في سن التقلب في المزاج ، والتقلب في الاذواق ، والمشاعر وردود الافعال . لم اكن اعرف ماالمطلوب مني سوى النجاح والدراسة ولم اكن اعرف مااريد سوى الذهاب الى المساجد وطلب العلم الشرعي .

قد يبدو ان خيار الالتزام خياراً  ممتازاً للمراهق وخاصة وانت كمربي ومسؤول تشعر باطمئنان وارتياح وضمان من عدم سلوك مسلك الانحراف والوقوع في دوامة حب المراهقة والنساء والسجائر واضف اليها التعاطي لانتشار المخدرات في مجتمعاتنا للاسف .

ولكن هذا الارتياح نسبي اذا ما انقلب السحر على الساحر ، واصبح للمراهق المتدين اسلحة فتاكة من  الافكار التي يسندها بالحجج والبراهين الدامغة من وجهة نظره. فيسوغ ويسوق عنفه بإسم الدين بل ويغطي فشله بإسم الدين وتميل به ميول التطرف وتقذف به امواج التشتت من هنا لهناك. وهذا ماحصل معي بالضبط ، تحوّل تقلب المزاج الى تقلب في الاراء ثم البحث عن رأي يرضيني لاتشبث به دون ان اقبل رد او نقد او اعتراض ، ومن يعترض فعليه اللعنة لانه كافر بالدين وبسنة الله ورسوله .

وانعكس الامر على اسرتي ، فقد كنت اصنفهم اصنافاً هذا فاسق جاهل وهذه فاسقة جاهرة وذلك مشرك شرك اصغر وهذا مشرك شرك اكبر وهذا ظال وتلك مبتدعة. كما انعكس سوء الفهم هذا الى الدراسة ، فرفضت ان الوث فكري بعلوم ارضية موضوعة من بشر ، واضيع عمري على غير هدى الله وكتابه وعلوم شريعته .


صنفت جميع من في البيت ، وتحول الامر بعد اصدار الاحكام والاتهامات على الجميع ، بدأت افرض رايي ورؤيتي ، ولمن يأخذ بها اقاطعه ، باعتباره خارج عن الكتاب والسنة . . . طبعاً اتذكر اني جرحت قلوب اخواتي اللواتي كن يزورننا ، فيسلمون علي ولا ارد ، واذا رددت فارد بعنف ، حتى ان واحدة منهن بكت وقالت ماذا يعني هذه المعاملة القاسية هل انني كافرة ، قلت لها انك غير محجبة يعني فاسقة ، وخلطت الحكم بسوء التصرف وكل هذا خلطته في بوتقة العنف واخرجت منه في النهاية دين يخصني ، ادعي انه دين الله .

فحكمت على المناهج الدراسية بالظلال ، وحكمت على المدارس بانها ظالة مظلة ، وان اساتذتها باعوا ضمائرهم لاجل الدرهم والدينار وعرض الدنيا الزائل . 

فاختلط الحابل بالنابل ، علاقتي بالجميع سيئة حتى بامام المسجد والخادم والمصلين وطلبة العلم ، فكل يتحزب ويتعصب لفكرته ويولول لها ويطنطن بها ويبكي على ليلاه . .. انها المراهقة ، انه التشتت ، انه غياب الوعي وتفشي الايجو ، انه انعدام الموضوعية ، انها التحيز والتعصب .

وما أن دخلت الى الجامعة الاسلامية ، حتى بدأت السحابة تنقشع ، والرؤية تتوضح ، والطريق يستقيم . وانت تجلس بين يدي العلماء واهل التخصص ، فذلك حدث يربيك ويغيرك من الداخل ويحجمك ويعطيك وضعك الذي تستحق ، فلا ترى نفسك اكبر من حجمها متضخمة متغولة ، ولاتراها متقزمة مهينة لاتكاد تبين .

انت تعرف اين انت ، والى اين تريد ان تصل ، هو عمق النضج ، وتعافيك من المراهقة الفكرية ، وهذا ما ينقصنا اليوم ، ان نتعامل مع الحياة بنضج ووعي ، ولاسيما واوطاننا وشعوبنا واسرنا وابنائنا بل حتى انفسنا احياناً لاتعرف اين هي الآن، ولا الى اين تريد .

المراهقة اذن ليست مرحلة عمرية ، بل هي مرحلة كل مرحلة عمرية ، تغزوها وتغزوك ، تتملكك وتتملكها ، بصيغ عديدة وصفقات وتزاوج والتحام . فتصل بك الى ان تصمم الدين على مقاسك ،  والناس على مرامك ، والدولة على مشتهاك والاصدقاء على مبتغاك ، والاعداء على شفرة سيفك وحفرة هاويتك .

حينها يجب ان تعرف حجمك الحقيقي ، والوعي هو الكفيل الوحيد بأن يقدم عنك صورة مستوية واضحة غير مشوهة . . .

 لتعرف من تكون  ..
 وماذا تريد .. 
والى اين انت ذاهب ..
[ Read More ]

سرقت ولم تقطع يدي


وجهت في برنامجي الإذاعي (( إحم إبنك )) لضيفتي الدكتورة " عزة تهامي " ، الاستشارية الاجتماعية المعروفة ، سؤالا محرجاً ، هل سبق وانك سرقت شيئاً ما وأنت صغيرة ؟

فأجابت : نعم .

كان ذلك في معرض حديثنا عن السرقة عند الاطفال ، وذكرت لها بأني قمت بفعل نفس الشيء ولكني لم اسرد قصتي كاملة لان الوقت لم يسعني لفعل ذلك ، لذا أجد من المناسب أن اذكرها الآن ، لما تحمل من معان ٍ وعبر .

واعتقد أن كثيرين سيتذكرون عندما يقرأون هذه السطور حوادث مماثلة مروا بها بأنفسهم ، أو سمعوا عن قصص كان ابطالها إخوانهم أو جيرانهم أو أقاربهم وأصدقائهم .

فعندما كنت صغيراً ، سألت نفسي لماذا ليس لدي راتباً شهرياً كما كان لاخي وأختي مثلاً ، ولماذا هم يملكون مالاً وأنا لا !!!

لذلك كنت اعتقد أن الواجب هو أن يعطي الغني الفقير ، حتى يصبح الجميع يملك مالاً يصرف منه ويستمتع به في اقتناء مايحتاج ، ولكن لم أدرك على ذكاء الفكرة وهي متقدمة على ذهنية طفل بسن 8 سنوات فقط ، يفكر بالتوزيع العادل للثروات ، لم أدرك الطريقة الصحيحة لتحقيق ذلك .

فلم أعرف الزكاة ولا الصدقات ولا الهبات والعطايا ، ولم اعرف الطرق الرائعة لتوزيع الثروات وأعادة التوازن للمجتمع من تغّول الثروات وانحسارها لقلة قليلة تاركين بقية الأغلبية يذهبون الى الجحيم .

لذلك فكرت بسرقة ما أحتاجه من حقيبة أختي الكبرى الممتلئة بالمال ، ولاسيما وأنها استملت راتبها الشهري ، يعني حان موعد توزيع الثروة العادل !

فذهبت وفتحت حقيبتها وأخذت ماشاء الله من الدنانير ، وذهبت أشتري مالذ وطاب من الطعام والشراب ، كأني إبناً لإحد الحكام العرب .

أمرت ونهيت ، وتعاليت وتغطرست على بائع الطعام والعصير ، أنظر اليه بتعالٍ شديد ، وأنا أرمي له النقود ، منتشياً فخوراً بما معي ، وحينما قفلت راجعاً شعرت كأني أطير فوق الارض بضع أشبار ، من هول الانتفاخ الذي ملئني . ثم بعد إن اشتريت ، وإنتعشت ، وفرفشت ، عدت الى البيت ، وكانت المصيبة .

فقد أُفتضح أمري ، ووجدت أسرتي كلهم فوق رأسي ، يرمقوني بعيون ملتهبة ، وكأني احس بحرارة شررها المستطيرة الآن ، وأنا أتذكر هذه اللحظات المريرة ، فبعضهم ينظر بإحتقار ، وبعضهم بغضب ، وبعضهم بأسف .

وأنا كنتيجة طبيعية لم استطع أن أتكلم حرفاً واحدأ فكأني لجمت ، أو خيط فمي بأسلاك شائكة ، الإ أن والدتي ( رحمها الله ) الحكيمة الرحيمة الرقيقة ، أخذتني على هون ، وقالت : إنك لا تكذب وهذا عهدي بك .

فقلت لها : نعم .
قالت : لم أخذت مالا يحق لك أن تأخذه .
قلت لها : بل هو حقي .
قالت : كيف ؟
قلت لها إن اختي الكبرى عندها مالاً كثيراً وليس معي شيء .
قالت : ومن قال أنك لن تملك مالاً ، عندما تكبر وتعمل ؟
قلت لها : سيكون عندي مالاً كثيراً .
قالت : نعم ، وسترفض أن يأخذ مجهودك أحد أويسرق من راتبك شيئاً ، اليس كذلك .
قلت : بلى ، ولو تجرأ أحد وفعل لقطعت يده .
قالت : نحن لن نقطع يدك ، بل نطلب منك ان الإستغفار والأعتذار، وفعلاً اعتذرت لاختي واستغفرت الله وندمت على مافعلت .

ومع الإعتذار و الاستغفار تعلمت دروساً بليغة عظيمة بسبب هذا الحوار الرائع ، وهذا التفهّم والإفهام ، فتعلمت مالم يكن باستطاعتي أن أتعلمه من ألف كتاب وخطبة وموعظة .

ما أردت تثبيته هو أن سرقات الاطفال ليست كلها جرائم خطيرة ومقلقة للوالدين ،وخاصة إذا إستطاع المربي بذكاء وحنكة أن يستثمر الموقف ويقدم موعظته كاروع ما يقوم به المربي والواعظ والمعلم .

ربما تكون محقاً .. 
وأسلوبك لطيفاً ..

وحجتك قوية ..

لكن توقيتك غير مناسب
[ Read More ]

قصة عشق مفضوحة

فتحت عيني في الحياة فوجدت إخوتي يقرأون ، وبعضهم يقرأ كتباً وقصصاً وروايات ، وبعضهم يقرأ المجلات والجرائد اليومية والاسبوعية ، وكنت أسمع باسماء الصحف والكتب كمجلة ( ألف باء والراصد واليقضة والنهضة والعربي) ، وأسماء مؤلفين وأدباء كـ ( نجيب محفوظ ويوسف إدريس وأجاثا كريستي وغيرهم ) .

كما حدثت أُلفَةٌ بيني وبين هذه الكتب ومؤلفيها يوماً بعد يوم ، ذلك لاني كنت أنا من يقوم بشرائها من المكتبات لإخوتي ، وذلك عندما كنت في الإبتدائية ، وعندما وصلت الى مرحلة المتوسطة فكنت أرى أخي ( علي ) يستعير قصصاً لاجاثا كريستي المعروفة بحل الغاز الجريمة الغامضة وسرد المغامرات وكذلك قصص شارلوك هولمز وغيره .

كما كان يستعيرها من مكتبة المدرسة ، فيقرأها ولايسمح لي بلمسها ، الإ اني كنت انتظره ينام فاقرأها ، إذ كان يقرأ ويقرأ حتى ينعس وينام ، فيسقط الكتاب الى جانبه ، فالتقطه دون علمه وأقرأ صفحة أو صفحتين فأخاف منها لانها قصص جرائم قتل مرعبة فادعها مكانها .

ثم في نهايات المرحلة الابتدائية أصحبت لدي هواية قراءة الجرائد يومياً ، ثم تحولت الى كتب الدين والفكر في المرحلة المتوسطة ، أقرأ في الفكر الاسلامي كما الماركسي كما المسيحي كما اليهودي ، أقرأ كل كتاب دون خوف أو وجل ، فكنت ولا زلت اعتقد أنه لايوجد كتاب سيئ ولكن هناك قارئ سيئ .

فقرأت في مرحلة الإعدادية ( الثانوية العامة ) كتب الاديان والمذاهب وإطلعت على مضامينها ، وقرأت كتب الادب والشعر ، فكنت أعشق القرآءة حتى أذا رأيتني عرفت من عيني عشقي للكتاب ، فشغفي به يفضحني لاأكاد اخفيه بل لا استطيع أن أخفيه ، فكنت أضع الكتاب قرب رأسي حيث مخدة نومي ، لا يغمض لي عين حتى اتعب من القراءة ، وفي بعض الاحيان أحلم بالكتاب وبشروحه وأفكاره ، من شدة تأثري به .

كلما قرأت كلما ازددت علماً بجهلي كما يقول الامام الشافعي رحمه الله ، فصرت أستحي أن أتحدث الى الناس عن فكرة ما لإني ربما أعتقد بخلافها غداً ، فكنت ولا زلت أؤمن بحرية الفكر وتجدده كل يوم ، وما زلت لا املك فكراً ثابتاً ، لاني اعتقد ان ذلك خطأ ، فمن يملك فكرأ ثابتاً فقد حكم على نفسه بالاعدام (( ركوداً )) حتى الموت .

كنت أقرأ كم كان علماء الاسلام رحبي الصدر في الاختلاف بينهم وبين الاخرين ،يغيرون افكارهم متى ماظهر دليل ارجح ، فلا تجد في سيرة عالم حقيقي فكر ثابت ، بل دائماً ماتجد التغيير والتجديد هو عنوان كل مرحلة عندهم ، كالامام الشافعي رحمه الله مثلا ، الذي أسس مذهبه في العراق ثم مالبث أن غيّره في مصر ، أضف الى ذلك فن الاختلاف عندهم على ردجة عالية من الرقي والتسامح .

كانوا يتناظرون من هنا ويتعانقون من هنا بكل ود واحترام ، فلا تجد في منهجهم رفض أو كراهية أو ضد ، بل قبول وتبيان وعرض للاراء ، حيث كنت أرى ذلك جلياً في كتب ومناظرات إبن تيمية وإبن القيم وإبن حجر ، وفي فكر محمد عبده وحسن البنا وأحمد محمد الراشد وأحمد ديدات ، فكانت السماحة عنوان مايقدمون من نتاج فكري .

كنت أزور بعض المكاتب في الكنائس في بلدي ، وأُستَقبل فيها بكل ترحاب ، كانوا يتقبلون الحوار مني على صغر سني ، فاعقد معهم المناظرات ونتبادل الحجة بالحجة في داخل اروقة الكنائس العريقة في بغداد ، وكنت أتناقش بكل ود واحترام مع كبار الاساتذة في كلية بابل الكلدانية ، ونتبادل الهدايا من الكتب والمطويات ، كما أتناظر مع كبار قادة الكنيسة مثل الأب الدكتور والعالم الراحل ( يوسف حبّي ) في كافة القضايا الحسّاسة في العقيدة واللاهوت ، في القران الكريم والكتاب المقدس .

لم يكن غريباً على علماء ومثقفون أن يستقبلوا افكار شاب مثلي حينها ، بقبول حسن كون ما اقوم بتقديمه معتمد على العلم ومقدم بصورة محترمة ومتسامحة بطريقة معهودة ومعروفة عن الدين الاسلامي .

وعندما نصل على عقدة ما في نقاش ، نتفق أن ندرسها اكثر ، وأن نراجع أقوال العلماء فيها عند الطرفين ، فلا نزاع ، ولا حقد ، ولا تحيز ، فالحوار لايفسد في الود قضية ، فانا اتعلم كما أعنلوا لي بانهم يتعلمون أيضاً مما يعرض اثناء التحاور .

وحين دخلت الجامعة ، قررت أن أنشيء مكتبة صغيرة على قدر الحال ، فبدأت أجمع الكتب كتاباً كتاباً ، وأضمها الى أخواتها حتى صارت بيني وينها علاقة صداقة حميمة ، لا استطيع أن انام قبل ان أزورها واقرأ منها كعادتي . ناهيك عن مكوثي في المكتبات العامة كالمكتبة المركزية والمستنصرية والاعظمية اكثر ساعات النهار ، أنقب فيها عن كنوز الكتب في شتى أصناف العلم والمعرفة .

ولكن .. حدث ماحدث في العراق ، وأضطررت أن أتركها هناك ، تلك المكتبة التي أتذكرها بأسى، وأشتاق لها كأنها واحد من عائلتي ، لما قدمته لي من علم وإنفتاح فكري وغذاء علمي .

فعلاقتي بالكتاب قديمة ، وعلاقتي بالمكتبة فريدة ، وعلاقتي بالمعارف مفيدة ، وشوقي لمكتبتي جارف لايقاوم ، ولا أجد عزاء لفراقي لها ، سوى أنها واحدة من الذي فارقتهم من أعزائي وأحبتي من الاهل والاصدقاء .

إنه الكتاب ..
إنها المكتبة ..
قصة عشق مفضوحة .
[ Read More ]

إن خنته خانك

ليس بمقدر اذن بشرية أن تقاوم الصوت العذب وجرس اللغة وايقاع العبارة ، إذا خاطبتها ببلاغة ورشاقة وعذوبة .

تعرفت على الاسلوب من خلال نصوص المطالعة في المرحلة المتوسطة ، نعم أنها كانت تجربة مبهمة ولم نعي اهدافها ، الا إنها في نهاية الطاف ، تركت في ذهني سؤالاً : ترى ماأهمية الاسلوب ، ومااهمية اللغة السهلة الممتنعة ؟ .

قرأت في درس الادب والنقد ذات مرة عبارة ( السهل الممتنع ) فسألت استاذ المادة عنه فاخبرني بانه كلام يبدو انه سهلاً ، ولكن اذا اردت تقليده او مجاراته يبدو صعباً ، ومن هنا جربت أن اقرأ اكثر ليصبح عندي بستاناً من المفردات والعبارات والجمل والتراكيب التي تسمو بعبارتي الى مستوى السهل الممتنع .

فطرقت أبواب القصة ثم أبواب الشعر ثم ابواب النثر والخواطر النثرية ، فتسلقت عبر مدارجها الى أصبح بمقدوري الإتكاء على عتبة تعبيرية واسلوبية جيدة .

لقد فتح لي النقد الادبي ، نافذة للتحليل والنقد الكتابي للنصوص الدينية وفهمها وتفكيك تراكيبها ، وزود عندي كذلك أدوات التعبير لغوياً ولفظياً كتابة ومحادثة .

ثم أورد الى مسمعي مصطلح ( تكثيف العبارة ) ، وقرأت وعرفت أنها تعني التعبير بكلمات قليلة عن أمورٍ ومعانٍ كثيرةٍ على طريقة ( خير الكلام ماقل ودل ) ، ومثله مصطلح التشخيص وإستنطاق الجماد الذي فتح لدي أسبار الخيال والمجاز والاستعارة والتورية ، وجعلني احلّق في عالم خارج نطاق الورقة والقلم وحدودهما .

إن ما أريد قوله هو أن الاسلوب قد يبدأ باللغة كمادة علمية في منهج دراسي في صف وفي قرطاس وقلم ، ولكن مايلبث حتى تستحيل بمرور الأيام الى اسلوب حياة ، يتحول بك الاسلوب من السطحية الى العمق ، من الكلام الى الفعل ، من المشاعر الى التعبير بالسلوك ، فالكلمات جوفاء وسطحية من غير معانيها ، فلو قلت لك على سبيل المثال كلمة :( يتمحغص) فإن أذنك تستهجنها بالتأكيد ، ونبض قلبك لا ينسجم ورنينها ، ناهيك عن كونها بلا معنى أي : بلا اهمية .

بينما لو قلت لك كلمة ( الحب ) فانها في الحال تصيب بسهم غرامها ، وحلاوة جرسها ، فتتلاعب انغامها على اوتار قلبك ، كما يلعب العازف على اوتار العود والجيتار ، كما ان معناها العميق مهم بالنسبة لك ، لذا شعرت بكل هذه المشاعر .

بناء على ماتقدم يمكن أن أخرج بأمرين :

الأول : أن نحسن إختيار اللفظ ، والمعنى ، فيما يتناسب في مقتضى الحال والزمان والمكان ، فرب كلمة أحيت ورب كلمة أماتت ، { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون } .

الثاني : أن نقدَّر قيمة الاسلوب في الطلب والعطاء ، في البيع والشراء ، في الأخذ والرد ، في الإختلاف والتباين ، في القبول والرفض ، في التوافق والتضاد ، فإن الاسلوب ليس مجرد قالب للمعنى بل معنى للقالب ، قد يقلب موازين مقاصدك إن تهاونت فيه ، فيصل ما أردت إيصاله مشوهاً للآخرين وتفقد بسببه التواصل معهم وقبلها الالفة .

جرّب من الآن ، أن تقرأ قطعة ادبية كل يوم ، من قصة أو رواية ، في كتاب أو جريدة ، ، فربَّ بدايتك هذه قد توصلك الى نهاية رائعة ، فاللغة كائن حي ينمو ويتفاعل مع من ينميه ويتفاعل معه .. شجّع نفسك .. وشجّع من حولك ، شجّع أطفالك وأهل بيتك ، أن تقطفوا جميعاً من أفانين الكلام وثمارالاسلوب أحسنها وأجملها ، فانه أطيب للنفس وأصلح للعمل وأوئد للفتنة وأطهر للصحبة ، قال تعالى : (( قُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا )) .
[ Read More ]

وما أدراك ما كوكو


كنت وأنا صغير امتعض من التربية الصارمة التي تلقيتها واخوتي ، فقد كانت أمي رحمها الله تراقب كل صغيرة وكبيرة ، وتتابع تصرفاتنا ومايطرأ علينا من سلوكيات جديدة ، ومنها مايتعلق بالاتيكيت ومقاطعة حديث الكبار والفوضوية وعدم ترتيب اغراضنا الشخصية ومستلزماتنا المدرسية ومايتعلق باتيكيت الطعام والملبس وتنسيق الالوان

اذكر مرة كنت أتناول معها وجبة الغداء فطاشت يدي فاكلت مما يليها من الطعام ولم آكل مما هو امامي ، فبكل رفق شرحت لي ان هذا لايجوز وأن الصحيح ان آكل مما يليني من طعام . وبعد سنوات كبرت وانا اقرأ في كتاب رياض الصالحين للامام النووي رحمه الله ، عرفت ان الرسول محمد صلى الله عليه السلام قبل اكثر من 1400 سنة ، ذكر ذلك .

فعن أبي حفص عمر بن أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم(( يا غلام سم الله تعالى وكل بيمينك وكل مما يليك )) فما زالت تلك طعمتي بعد " متفق عليه "

كانت هذه مقدمة ضرورية لكي أحدثكم عن (( كوكو )) ، فقد كنا في ظرف حرب الاحتلال الامريكي على العراق ، وكان القصف شديداً على بغداد ، والعقول تكاد تطير من هول ما يحدث ، وكانت العوائل تختبئ وتحتمي بالملاجىء من شدة القصف

فكان أحدنا ينام إذا نام وهو لا يدري هل سيصحو أم لا ؟ يبرزالخوف من ملامح الكبار ومن بين ضحكاتهم وكلماتهم وتقرأ الخوف في أعين الصغار وأنت تستمتع الى صرخاتهم وبكائهم ، والشباب لايسعهم الا حراسة المنطقة والملجأ الذي ينامون فيه

فوجئت بان أختي واولادها جاؤوا هاربين من هول القصف في منطقتهم ، وهي باحثة عن ملجأ آمن هنا ، وبشرتها بأنها ستكون في مأمن معنا ان شاء الله ، وبالفعل انزلتهم الى الملجأ لكي يبيتوا في الملجأ المخصص للعوائل ، فوجدت من جيراننا أناساً نعرفهم جيداً ، فاطمئنت بانهم بخير

خرجت من الملجـأ ، فاذا بصرخة مدوية لها صدى ، نعم هو صوت أختي ، فالتفت فرايتها تقول : أن كوكو هاجمهم ، فارتبكت ولم اعرف عما تتحدث !!! ، من هو كوكو وكيف هاجمهم ، انا للتو كنت عندكم عن اي شيء تتحدثين ؟ قالت : إن إحدى الجارات جلبت معها كلبها البوليسي (( كوكو )) ، وأراد الهجوم على أحد أبنائي ، فلم اصدق ما قالت ، الا أني تذكرت إن احدى الجارات فعلاً لديها كلب بوليسي ، ولكن لم اصدق أنها جلبته الى الملجأ ليبيت وسط الناس .

فرجعت الى الملجأ ورايت الوحش أقصد الكلب البوليسي المسمى زوراً وبهتاناً (( كوكو)) ، فقلت لهم بلطف أرجو أن تجيبوني كيف سينام الناس وبينهم هذا الكلب ؟ فاجابت الجارة صاحبة الكلب : أولاً هذا كوكي ولا تقل عليه كلب ، ثانياً سينام بيننا بشكل عادي

فقلت لها : لقد هاجم اختي واطفالها وهدد استقرارهم ، نحن هاربون من الخوف فلا يعقل ان نهرب من الخوف الى الخوف

فقالت : أنت رجل مثقف ، وهذا من باب حقوق الحيوان والرفق به । فقلت : أين الرفق بالانسان ياسيدتي ؟

فبهتت وقالت : والله لوكان لدي سلسلة لربطته ولكني أعدك أن أحتضنه طوال الليل ولن أدعه يقترب منهم

فضربت على الراح بالراح ، وقلت لاختي إنه قدرك ، نامي الليلة والصباح رباح ، وكنت أعلم علم اليقين ان هذا ضرب من الجنون والهبل ، فلا نوم ولا هدوء ولا راحة ، والسماء تهددنا بالقنابل الخارقة الحارقة ، والارض تهددنا بكلاب بوليسية

وبالفعل جاء الصباح ، ولم تستطع اختي ولا اولادها من النوم ولا هم يحزنون ، إذ ظل (( كوكو )) يسرح ويمرح بالملجأ بين إبتسامات المجاملين وبين وقلة الاتيكيت والذوق عند اصحابه

قررت أختي أن تغادر في اليوم التالي وتذهب الى بيت العائلة ، وتركتني حزيناً وتركتها مرعوبة من ليلة ولا الف ليلة وليلة و هكذا بعض الناس تفكر بأنفسها فقط ، دون أن تراعي حقوق الآخرين ، فتؤذيهم بكلماتهم أومشاعرهم أوسلوكياتهم التي ينقصها التهذيب والذوق والاتيكيت ، فتضيع حقوق الانسان بحجة المحافظة على حقوق الحيوان

تذكرت حينها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي ربّى الناس على الذوق الرفيع ، وتذكرت أمي التي حرصت أن تهذبني وتؤدبني أحسن تأديب ، وتذكرت أختي التي أدين لها بالاعتذار عن هذه الليلة ، واعتذر لكوكو لاني وصفته بـ ( كلب ) لانه بالفعل ليس كلباً بل هو وحش مفترس .

[ Read More ]

فرقة الراية للإنشاد

فكرت كثيراً قبل أن اكتب لكم هذه السطور ، خشية أن اخفق في اعطاء حق من ستذكر اسمائهم لانهم وقبل كل شيء اقول أنهم كبار وقامات شامخة ارفع لهم القبعة حيث كانوا ولايزالون علامة فارقة في حياتي ، اعضاء فريق الراية للانشاد .

بكل اجلال اتحدث عنهم لانهم انموذج الشباب الحي ، والهمة العالية المتصاعدة ، خلقاً وعلماً وادباً ونسباً وعملاً وفناً وابداعاً ، واتذكر اني تعرفت عليهم ولايعرفون اني اهوى التلحين وكتابة الشعر من صغري ولم اكن اعرف عنهم ايضاً انهم ذوو اصوات عذبة شجية ، تعرفت عليهم في مسجد رائع سجلنا بين جدرانه اجمل الذكريات ، الجامع التراثي الاصيل (الشيخ صندل ) الذي يقع في جانب الكرخ من مدينة دار السلام .. بغداد .

وواحد تلو الآخر .. يبهرني بابداعه دون أن ابدي له سوى الاندهاش معجباً بهم ، عبد الله خالد ، واحمد خالد ، ومحمد عباس ، واحمد اكرم ، وانس طارق ، والشهيد مفيد حسن رحمه الله ، وعازفي الدف التوأم الانيق عمر وعلي ، وغيرهم انضم للفريق وخرج منه ، سجل ابداعه وبصمته الشخصية على الفرقة والفريق .

سأذكرهنا ثلاثة قصص تمثل نقاط تحول في الفرقة : الاولى : أنضمام المنشد مفيد حسن رحمه الله الذي استشهد في احداث عنف عام 2004 ، وقد كان انضمامه لفرقة الراية غير مخطط له بالمرة ، فهو كان يدرس في الجامعة الاسلامية حيث ادرس انا ، وسمعته ذات مرة يعني اغنية طربية بصوت عندليبي مذهل ، رايت بعض شباب الجامعة يتحلقون حوله بين موافق ومعارض للغناء يهيمون طرباً ويميلون انساً بمايسمعون .

تبارك الله من حنجرة ، فعلى الفور توجهت اليه وبعد ان انهى الغناء قلت له : هل تنشد ؟ فاجاب نعم ؟ فعرضت عليه الانضمام الى المجموعة ، فاذا به يفرح فرحاً شديداً لانه مل من غناء غير المفيد وفرح فرحاً لانه سنشد مايسعد الناس وينفعهم ايضاً ، وبالفعل رحمه الله كان متلزماً في التواصل مع الفريق رغم انه يعيش بمدينة كركوك وهي محافظه بعيدة نسبياً شمال بغداد وظروف العراق جميعاً وقتها كانت سيئة جداً.

المذهل ان مفيد ذلك الشاب الجميل جاء الى بغداد ليسجل صوته في الالبوم الاول الذي اصدرته فرقة الراية وهو ( اليأس والأمل ) ومن مرة واحدة ودون اخطاء اذهل مفيد مهندس الصوت واذهل الجميع باداء غير عادي ، وبعدها سافر الى كركوك وبعد شهرين تقريباً اخبرنا باستشهاده دون ان يستمع لصوته او يحتفل باصدار الالبوم .

الثانية : ان ايقاع انتشار الفرقة يتصاعد وصيتها بدأ ينتشر إذ نهالت علينا العروض الفنية لاحياء المهرجانات والاحتفالات الاسلامية ، فكنا بمساعدة الرجل الذي تدين الفرقة كلها باعضائها جميعاً لجهوده ، الاخ ابو حارث الشهيد الحي ، الذي كان يأخذ الفرقة بسيارته حباً بنا وايماناً منه باهمية ابداعنا ، لكل المهرجانات والمناسبات حيث نحييها باناشيدنا الخاصة ، اذ كان من مبادئ الفرقة ان لاتنشد الا من انتاجها شعراً ولحناً واداء .

ومن عام 1-10-2002م موعد تأسيس الفرقة وانطلاقها في طريق الاحتراف ، حتى عام 2005 ، قامت الفرقة بعدة حفلات أهمها: حفل مركز المغيرة في زيونة حفل جامع نداء الإسلام حفل جامع القدس في السيدية حفل جامع صندل ورشيد دراغ والتكارته والمعز في الكرخ حفل جامع 14 رمضان في المنصور حفل رابطة الطلبة والشباب العراقية سنة 2005 ويجدر ان اذكر ان الجمهور كان يتفاعل بشده ، ويردد الاناشيد بصوت واحد ، ويصفق ويفرح ويطلب احياناً تكرار بعض الاناشيد التي احبها ، فكان دافعاً بعد رضا الله تعالى على التقدم لابداع اكثر واكبر .

الثالثة : ان المحور الاساسي والعمود الفقري لفرقة الراية ، شخصية رائعة تحفظ كتاب الله وله صوت وصيت دائع في الميادين والمحافل القرانية في داخل القطر وخارجه ، الحائز على المرتبة الثانية كاجمل صوت وتلاوة في مسابقة دبي الدولية للقران الكريم عام 2006 . عبد الله خالد .. الذي حمل على عاتقه انجاز اغلب اناشيد الفرقة ، والكورال مع المبدع الفنان سرمد اكرم ، فكان يتلزم بالبروفات والتمارين كأنه مبتدأ ، ويتدرب حتى يتعب ، ويضل يتواصل مع اللحن والنغم لكي يقدم اجمل مالديه ، وبالفعل صوته صدح بالالبوم كلؤلؤة طربية مميزة .

اقدمت الفرقة على التحضير لالبوما الثاني الا ان البعد والسفر والغربة ، حالت دون ان نستمر وننجز ، وجزى الله من كان السبب في جعل هذا الشمل يتفرق وهذه الكوكبة تتشتت بين الدول والبلدان والمحافظات هنا وهناك .

على اية حال .. ازمعت ان اضع بين ايديكم البوم اليأس والأمل ، عسى ان يعجبكم ويدفعكم الى التحية معي لخير شبيبة عراقية ابت الا ان تقول كلمة الابداع بلحن ونغم وكلمة هادفة ورسائل بناءة على اجنحة فن الانشاد والغناء الملتزم .. فتحية الف تحية لروح الشهيدين : مفيد حسن واحمد القيسي ( ابو حارث ) ، وتحية الف تحية لاعضاء الفرقة الاحباب .



أشودة / هذا من فضل الرحمن / مفيد حسن - عبد الله خالد





وللاستماع الى الالبوم كاملاً في موقع يوتيوب


[ Read More ]

هل مات ابو جهل ؟

العلم نور والجهل ظلام ، وقد كنت احسب وانا صغير السن بأن الجهل هو الامية فقط ، ولكن مع الأيام اتضح لي مالم يكن في حسبان بالي الناشئ ، فقد عرفت ان الجهل ليس ظلاماً فحسب وليس في الامية فحسب بل هو آفة اكلة للبشر مدمرة للحياة ، ينتشر كلنار في الهشيم ، ويدخل في كل شيء يحرقه ويتلفه كما يتلف السرطان خلايا الجسم .

رأيت في حياتي اصنافاً عديدة من البشر ، يجهلون حق الله عليهم وحقهم على الله ، أناس يشركون بالله بشتى الطرق والسلوكيات الجاهلة ، فمنهم من يعبد الملائكة والقبور واهل البيت وعيسى وبوذا والشيطان والنجوم . وقد رأيت بعضهم في حالة مزرية في طقوس غريبة عجيبة تحرق القلب وتسلب اللب .

ورأيت أناساً يجهلون حق الدولة وحقهم على الدولة ، لايعرفون قوانين الطلب وسنن التغيير بدون عنف او استسلام ، وحكومات حمقى ، تستعبد الناس وكأنها اشترتهم من سوق النخاسة ، تقبع على قلوبهم سنوناً ، ومع علمها انها مرفوضة تكابر من قلة مرؤئتها وحيائها .

ورأيت أناساً يجهلون حق آبائهم وحقوقهم على آبائهم ، فذات مرة رأيت رجلاً يبكي ، فسألته مالذي يبكيك ، فأخبرني بان ابنه طرده من البيت وقد اضطر الى اللجوء الى المسجد ، وذهبنا بمعية شيخ المسجد الى بيت ولده لنحل القضية ، فاذا بالابن يسرد لنا قصصاً تجرّم هذا الاب ، فقد كان يؤذي ابنه من طفولته حتى اشتد عوده وصار رجلاً ، فزرع بابنه مايحصده اليوم منه . وحلت القضية ولكن في العمق هناك سوسة تأكل وهو الجهل في الحقوق والواجبات .

رأيت اناساً يجهلون حق اعمالهم ، فلايؤدون واجبهم كما ينبغي بل لايعرفون ان يؤدونه اصلاً لانهم وصلوا اليه بالواسطة والرشوة والمحسوبيات ( الكوسة ) ، ومنهم من يحسبون على اهل العلم وحملة الشهادات العليا ، وبعضهم اشترى شهادته ، وبكل قبح وجرأة مذمومة يواجه الطلبة في الجامعات بجهله ، ويقابل من الطلبة بسيل عرمرم من الاسئلة المحرجة التي لايفتأ يتمتم ويتأتا ويرمي شمالاً ويميناً حتى ينتهي الدرس فيدخل في ازمة جديدة ودوامة اخرى في صف آخر .

ورأيت أناساً يجهلون حق المجتمع عليهم ، فاحيانا تكاد تموت من الضحك والبكاء مما يخط ويكتب على الحائط من التعليقات لمنع هؤلاء من التبول او التغوط او البصق في الشارع والارصفة واسفل الجسور والزوايا المعتمة ، مواقف تدمي القلب وتوجع الضمير ، حين يعم الجهل ويوصل معتنقيه الى الانحطاط الذوقي والتلوث البيئي .

ورأيت اناساً يجهلون حب الدين ، فبعضهم يتطرف فيقدم نفسه كبش فداء لقضية لا يعرفها لمجرد انه قيل له انها في سبيل الله ، وبعضهم يتفانى في اداء ما لايقدر عليه ، فيؤذن بصوت قبيح نشاز ، فيخرب مزاج المصلين وغيرهم فيسبب تلوثاً سمعياً ، وبعضهم يتكلم فيما لايعلم لمجرد انه يدافع عن الدين وكأن الدين وسلامة الدين وبقاء الدين متوقف على جاهل مثله .

ورأيت أناساً يجهلون انهم جاهلون ، فكثير من السياسيين لايعرفون انها علم وفن ، فتراه من سائق لعربة حمار ( اجلّكم الله ) الى نائب بمجلس الشعب والبرلمان ، وكثير من الناس يتكلمون في السياسة وكأنها طبق يومي في متناول الجميع ، وبعضهم يمضغ لحوم علماء الدين والفتوى بغير حق ولا دليل ، وبعضهم يتكلم في اعراض الناس ويصدر منتديات للفضائح ومواقع للقيل والقال والبلبلة والاشاعات ، وبعضهم يوقد برامج لاشعال الحرائق وايقاد الفتن .

ورأيت اناساً يجهلون حق انفسهم ، خائفون دون سبب ، يخونون انفسهم وهو امناء ، ويتهمون انفسهم وهم شرفاء ، ويستغفرون تقصيرهم وهم اتقياء ، ويؤنبون ضمائرهم وهو انقياء ، هؤلاء قلة قليلة ولكنها موجودة ، بعضها خامل غير عامل ، لو تقدم واحدهم الى العمل في الساحة لازاح بإذن الله جحافل من المبطلين وتركهم جانباً ، كما تزيح العملة الجيدة العملة الردئية من السوق .

ورأيت اناساً يعرفون قيمة انفسهم وقدراتهم التي حباهم الله بها ، يؤدون زكاة العلم بالعمل ، فاعلون وقادرون ومؤثرون ، يقول فيفعل ، يحاول فينجح ، يجرب فيتعلم ، يحاور فيقنع ، يفاوض فيتفق ، ينصح فيسدد المسار ، يصبر فينال ، يَشْكر فُيشكر ، ممتن لله ولنفسه ولاسرته وللمجتمع ، ذلك لانه القى عن كاهله رداء الجهل ، ورفع لواء العلم والتواضع والبساطة فاسعد نفسه واسعد غيره .

اعتقد ان الذي رأيته من اصناف البشر لدليل واضح قاطع ان ابا جهل لم يمت ، اذا خلّف اولاداً واحفاداً يحملون رايته معتزين بسيرته وممجدين لبطولاته وسائرين على نهجه ، اختاروا طريق الجهل المؤلم المظلم المعتم المدمر .

فهل تريد أن تصحبهم ، او أن تعتنق فكرهم ، وتنتهج نهجهم ؟

فالحل بسيط ، والطريق اليهم سهل ...

فهم يعيشون بيننا في كل مكان ... ويعيثون فساداً في كل مكان
[ Read More ]

كفاحي وعصامي

كفاحي وعصامي لقد استغربت كثيراً عندما سمعت هاتين الكلميتن لاول مرة ، فقد دفعني هذا الاندهاش الى ان اسأل عن معناهما ، فعرفت أن معنى كلمة كفاحي هو الكدح والاصرار وتجاوز المصاعب ، ثم عرفت انه عنوان كتاب لهتلر ، يسرد فيه كفاحه حسب مايراه ، ومعنى الكلمة عصامي هي الاعتماد بعد الله سبحانه على الذات في مشوار الحياة .

وصرت اقلبهما في ذهني وافكر فيهما ملياً ، ثم تحول هذا التفكير الى حماسة في خوض تجربة الكفاح والعمل والاصرار ، وان اعتمد على نفسي في مشوار النجاح .

لقد جربت ان اكون رساماً عالمياً ، ثم دخلت التجربة ولم استمر ، جربت ان اكون خطيباً مفوهاً ثم لم يعجبني الامر ، جربت ان اكون طبيب اسنان فوجدت نفسي اميل للادبي وليس للعلمي ، وجربت ان اكون عازفاً ماهراً فلم استمر ، وجربت بيع الكتب ، فقد قررت ان اعمل كل يوم جمعة في بيع الكتب ، افترش الكتب المنوعة امام احد المساجد وابيع ، فلم استمر ، وجربت بيع الحلويات ، والحقائب ، واشرطة الفيديو ، والملابس ، وغيرها من المهن فلم استمر .

جربت ان اكون مكافحاً وعصامياً اكثر ، فعملت في تصليح تبريد السيارات ، فلم استمر ، وجربت العمل والتعامل مع اصناف من البشر كثيرة ومتنوعة ومختلفة ، الجيد منها والرديء ، واكتسبت الكثير من المهارات وكأني سافرت الى مدن عديدة وقرأت مئات الكتب والمؤلفات ، لكثرة ماتزودت به من خبرات ، ومع ذلك لم استمر .

جربت التدريس فاحببته ولكن لم آخذ فرصتي كاملة ، ولكن على اية حال لم استمر فيه هو الاخر . جربت العمل التطوعي فوجدت فيه لذة ، وجربت خدمة الناس في الاستماع اليهم وتقديم النصح لهم فرأيت اني اقترب منها ، واحبها واحب نفسي فيها ، ثم جربت العمل في الاعلام وتقديم البرامج النافعة للناس ، فالهب قلبي بريق الاضواء والكاميرا والعمل الاعلامي ، وشعرت اني وجدت مايجعلني اكون مكافحاً وعصامياً .

عشقت المايكرفون ، وشعرت بانه الاقرب للنفوس كون ان اول ماخلق فينا هو السمع ، وان التواصل طيلة فترة حمل امهاتنا بنا عبر السمع ، نستمع الى الاصوات وتستمتع بها حتى دون ان نفهم . لقد جربت ، وفي كل تجربة مخاض عسير والم ومشقة ، شعرت انه الكفاح ، وفي كل لحظة اخط فيها خط سير جديد مختلف على الاول ، ولا اجد من يساعدني فيه ، اشعر اني عصامي ، واني استحق ان اكون شيئاً في الحياة .

رغم معارضة العائلة ، الذي يرون هذا تشتت احياناً ، ويرونه غير مجدياً احياناً اخرى ، ويرونه مضيعة للوقت ومهلكة للذهن في غير محله طوراً آخر ، ولكن مع حبي الشديد واحترامي الاشد ، كنت مصراً على أن اجرب طعم الكفاح والعصامية بنفسي ، فان نجحت نجحت وبها ونعمت ، وان لم انجح فاني حاولت ان أنجح على اقل تقدير . انا مع التجربة .. ومع الفشل في التجربة لانها ستولد خبرة ، ومع الانفتاح على الهوايات والعلوم والمهن ، انا مع البحث عن الذات في محيط التجارب ، ومع ايجاد الموقع المناسب للانسان ، ومع ان يبحث بنفسه عنه .

وهذا يشكل فارقاً كبيراً ، لان كل انسان يعمل مايحب ، يقدم افضل مالديه ، عكس من اجبر على عمل او تخصص دراسي ومهني ، فانه سينطفئ فيه جذوة الكفاح والعصامية . الطفل والطفولة حقل التجارب الذاتية ومسرح الابداع ، ادعو كل الاباء والامهات الى ان ينطلقوا ويطلقوا فيها الحرية لاطفالهم للتجربة ، مع الرقابة الرشيدة ، والنظر من بعيد والى بعيد ، ماذا يرغبون وماذا يعملون والى اي شيء يميلون ، فزمن الذكاء الواحد قد ولى ، فاليوم هناك ذكاءات متعددة .

لقد احببت ان تشاركوني فن التجربة ، والكفاح ، والعصامية ...

مع الامتنان لكل من كافح معي وكافح لاجلي ...

ففي النهاية لايوجد كفاح مطلق ولا عصامية مطلقة ...
[ Read More ]

أكبر من ذكرياتي

سنوات وتمر علينا مناسبة تُسمَّى " عيد الام" ، واراه للاسف اختزالاً لحب الام في يوم واحد ، بينما كان الحب في بلادنا ممتد على طول ايام السنة ، وحب الوالدين في ديننا فريضة ، وفي مجتمعاتنا عرف محبب ، وطريقة حياة وسلوك و احترام للكبير وتوقير من الصغير .

وربما يتناسب لمن هم في الغرب هذا العيد وذاك ، لان الاسرة لدهم هامشية فالولد لايرى اباه ولا يرى امه الا في المناسبات ، كعيد الام وعيد الفصح وغيره .

وبعيداً عن كل شيء ، وقريباً من أبي ، الذي أرفض أن يختزل حبه يوم هو الآخر ، كما فعلوا بالام ، أرفض بشدة ان يكون ذلك الكائن الذي ضحى بصمت ومازال يعطي ويقدم أن نحتفل به يوماً واحداً ، بل عيدك يا ابي كل يوم .

والدي مختلف عن الآخرين ، على الاقل من وجهة نظري ، فقد كان كان غريباً ، تارة تراه قوياً لايهمه شيء ، ربما يتشاكل مع والدتي ويغضب ويصخب ، وتارة تراه رقيقاً ناعماً ، ويتجلى عطفه معي ولي ، فاتذكر اني مرضت في طفولتي مرضاً شديداً ، فارتفعت درجة حرارة جسمي واصبت بالحمى ، ولم اصدق حينها مارأيت ، رأيت أن الجميع ناموا وتركوني اتألم لوحدي ، حتى أمي رحمها الله ،، فهي الاخرى نامت ، ربما لانها أُنهكت طوال النهار بسبب العناية الصحية بي ووضع الكمادات على جبهتي .

الإ أبي .. فقد رأيته حفظه الله يتسحب بخطو وئيد خشية الا استيقظ فقد كان يظنني نائماً ، فاقترب مني شيئاً فشيئاً حتى جلس بجواري ، وإذا به يدعو لي بالشفاء ويدعو بالويل على نفسه من حالتي هذه ، ويبكي ، نعم يبكي ويقول ليتني بدلاً عنك اتذوق ما تتذوقه يابني من الم ، ليتني اموت دونك ، ليتني افديك .

يا الله .. انه يتنهد كالثكالى ، بقلب يقطر بالرحمة والمحبة ، على فلذة كبده المريض ، ماذا عساه أن يفعل !! وماذا عساي أن افعل تجاه هذا الحب ، سوى شعوري بالعجز والتقصير اللامتناهي تجاه هذه القيمة والقامة الانسانية العظيمة .

ويتسلسل العطاء وتزداد لقطات الحب يوماً بعد يوم ، فقد كنت أنتظر قدومه من العمل ، فاذا جاء ولم يجلب لي تفاحاً او موزاً او جوزاً فاني إرجعه الى السوق ، وأجبره على ان يجلب لي ماأريد ، رغم توسلات امي بي بان اترك ابي يرتاح فهو متعب ومازال بملابس العمل ، وكنت على وشك ان اقتنع الا اني اجد أبي يرفض ويقول لها لا ، أنا سانزل حالا لاشتري له مايريد .

وصار صديقي عندما تعرضت لحادثة قلبت وجهي الى قفا ، وشوهت تماماً معالمي بسبب كسر في الانف وتورم في الوجه ، فكان يأخذني معه الى حيث يذهب ، رغم نظرات الناس ، ولكنه يوحي لي وبكل ثقة حتى يثبت لي باني مازلت بخير ، يأخذني الى الاسواق ، ويدخلني الى السينما لكي انسى ماحصل لي ، ويشتري لي كل شيء حتى يعوضني عن الشعور بالالم والوحدة .

ففي مناسبة كالختان ، جاء الي وقد فكك نقوداً كثيرة ووضعها في كيس ، فاصبح الكيس ثقيلاً بقطع النقود المعدنية ، وهذا شيء اسعد قلبي جداً فانا املك مالا يملكه الاخرون ، ومع هذا طمعت بالمزيد ، فقلت له تعالى اجلس الى جابني ، فاقترب وجلس ، وهمست في أذنه أن يخرج كل مافي جيبه ، فاخرج كل مافي جيبه واعطاه لي ، رغم صرخات والدتي محاولة منعي من ابتزازه ، وهو يضحك قائلاً لها : دعيه فانه يستحق اكثر .

والدي الذي كنت طفله المدلل يامتياز ، كان يتباهى بي أمام اصدقائه ، ويقدمني لهم على اني الدكتور عمار ، وهذا منذ كان عمري 8 سنوات ، فقد كان يزرع حب العلم دون ان يدري ربما ، وكان ديمقراطياً يتقبل النقد ، ويسمح لي بالحوار الحر فلم اذكر مرة استهزء بي او أقصا رأيي ،أو قطع حواراً معي ،أو لم يصغ لي رغم تقاطع افكاري معه في كثير من الاحيان .

والدي رحب الصدر سمح المعشر ، كان يتقبل بل يحب المزاح مني فما من مرة مازحته فيها الا وبادلني بالود والمزاح والضحك ، كان عنده قصص فريدة وحكاوي كوميدية نادرة ، لايجيد روايتها الا هو . والدي الذي انفق علية طوال عمري ، ودعم مشوار العلم التي قطعته ، ولم يبخل علية بشيء ، وضحى بالغالي والنفيس ، الا يستحق ان يكون عيده كل يوم ؟

والدي الذي كان ومايزال ينادني باجمل القابي ، يناديني " عمورات " ، ذلك اللقب الذي يتهادى منه الدلال والحب ، كما يتهادى القرط من إذن الجميلة ، الا يستحق مني كل الحب ؟

مهما قلت وكتبت ، ستبقى ايها الكبير، اكبر من ذكرياتي

وستبقى ذكرياتي اكبر من صفحاتي

شكراً لك ايها الكبير معترفاً بصغر مقامي .. لكبير مقامك الى الابد
[ Read More ]

حكاية الـ 99 %

لقد قدر الله لي أن احصل على درجة 99 في ثلاث مواد درستها في حياتي ، واحدة في درس الجغرافيا في الثاني متوسط ، والثانية في الإعلام الاسلامي في مرحلة الماجستير ، والثالثة في مادة فنون الخطابة والالقاء في مرحلة الماجستير ايضاً .

ولا اعرف سبب اعتزازي بهذه النتائج ، الى درجة اني اراها اجمل من الـ 100% ، ولكني اختلف عن السياسيين وبعض حكام العرب ، كنت احصل عليها بفضل الله ثم فضل مجهودي .

وسبحان الله لكل واحدة قصة ، فالاولى كانت في امتحانات نصف السنة وقد طلب منا في مادة الجغرافيا رسم خريطة الوطن العربي وتحديد توزيع وانتشار الفحم والغاز والفوسفات والزيتون والحمضيات .

ولاني احب الجغرافيا ولدي مهارة جيدة في الرسم ولا سيما رسم الخرائط ، فقط حفظت رسم خريطة الوطن العربي عن ظهر قلب ، فرسمتها رسماً دقيقاً حتى جاء وقت استلام النتائج وجدت المدرس يطلب مني ان استلم الدفتر الامتحاني ، فذهب لذلك الا انه رفض اعطائي النتيجة والدفتر قبل ان يعمل لي اختباراً امام الجميع ، فطلب مني ان ارسم خريطة الوطن العربي على السبورة ، لانه كان يشك اني ارسم بهذه الدقة ، وكان يظن اني غششت في الامتحان .

فلم اتردد لحظة ان ارسمها ، فاخذت الطبشور وشرعت بالرسم وما ان انتهيت التفت اليه وهو يقول : ياسبحان الله .. مااروع مارأيت ، والله انت تستحق هذه الدرجة ، فقلت كم حصلت فقال : 99 % . فطرت فرحاً وطلب من الصف ان يصفق لي لاني صاحب اعلى درجة في المدرسة كلها في مادة الجغرافيا .

اما الثانية ، فقد كانت علامة دالة على شغفي بالاعلام ، فقد كنت ادرسه اكثر من اي مادى اخرى ، اذ دخلت الى الامتحان وانا واثق باني ساجلب درجة عالية جداً ، ولكن فوجئت بانها 99 % ، وجال وقتها سؤال سالته لمدرس المادة ، وهو لماذا ليست مائة ؟ وما الخطأ الذي استحققت عليه ان احرم من درجة واحدة بحيث اصبحت 99 وليست 100 ؟ فاجابني الاستاذ : الكمال لله وحده .

واما الثالثة ، فقد تحديث نفسي تحدياً لا انصح به احد ، فلم اقرأ للامتحان كلمة واحدة بل اعتمدت بعد الله على معلوماتي وخبرتي المتواضعة السابقة بفنون الالقاء ، لاسيما واني كنت احاضر فيها وادربها في معهد دار السلام لتعليم فنون الالقاء والمهارات الشخصية في بغداد .

فقلت اذن اللعبة لعبتي والملعب ملعبي ، ساغامر ولن احضر للامتحان اكثر مما اعرف واخبر ، وقضيت اليومين السابقين للامتحان والتي يفترض اني استخدمها للتحضير ، قضيتها في الاسترخاء والتأمل وعمل هوايات كالقراءة وسماع الشعر وكتابته وتلحينه ، واذكر حينها استمعت الى اغلب قصائد الشاعر نزار قباني ، بصوته وبامسياته الشعرية الرائعة .

فذهبت الى الامتحان ووجدت ان الاسئلة ليست غريبة عني البتة ، واجبت عنها باجوبة كعقد انفرط حبه حبه ، فعانقت الحروف حروفاً حتى تخلقت كلمات في رحم الورقة ، واشتد عودها واينعت حتى قطفت ثمارها درجة 99 بـ بالمائة .
[ Read More ]

وتميل بالصادقين .. كفّةُ الميزان



كنت اهتم بموضوع الصدق والكذب والى يومنا هذا ايمّا اهتمام ، ولعل هذا ما تعلمته من اسلوب (أمي) رحمها الله ، في التربية ، فقد كانت تقول لي دائمــاً : ( انت صادق .. وأعرف أنك لا تكذب ) ، فكنت كلما طلب مني شهادة على ارتكاب مشكلة مع ابناء الجيران ، اعترف مباشرة باني من بدأ الشجار لاني اتذكر باني صادق واني لا اكذب على الاقل أمام أمي .

واجهت صراعاً تجاه المجتمع الذي بدأت اكتشف فنون الكذب التي يمارسها ، فنوناً تصنف بانها غير عادية ، ومع هذا صمدت في مراحل الطفولة ، وتلقيت اصنافاً من العقوبات الجسدية والنفسية لتأديبي لاني لم اكذب لانجو ، بل صدقت فتادبت .


و في مرحلة المراهقة ، واجهت اصنافاً من البشر واصنافاً من الاستهزاء ، لاني لا اكذب فابدو غبياً او ساذجاً في اضعف الاحوال ، فربما سالني الاستاذ لم تأخرت على الدرس فاجيبه كنت نائماً فاطرد ، واذكر اني دخلت الى طبيبة الاسنان لاخذ رخصة مرضية لتأجيل موعد الامتحان فسألتني ما مرضك ؟ فقلت لها لاشيء ، فنهرتني وكررت سؤالها واجبت لا شيء ، قالت : اذاً لماذا اتيت ؟ فقلت لها لاجل تأجيل الامتحان ، فطردتني . ثم مالبثت أن ادخلتني وهي عاطفة قائلة : لانك صادق ساعطيك منحة ، ووقعت الاجازة ونجوت من الامتحان .


واخرى مازحني فيها احد الاساتذة في الجامعة ، وقد دخلت الصف متأخراً فقال اين كنت ؟ قلت له في المطعم ، فقال صاحبي : لا كنا في المسجد ، فقلت : لا في المطعم . فقال الاستاذ : من كان في المطعم يدخل لانه صادق ، ومن كان في المسجد فليذهب يصلي ملياً ، ثم ضحك وقال : امازحكما ، وقال لصاحبي : لقد شفع لك صدق صاحبك ، فدخلنا الى الصف مبتسمين .


لقد خسرت كثيراً من الناس ، بسبب الصدق ، لان من التزم النصح قلّ أولياؤه ، فإن الغالب على الناس اتباع الأهواء حتى تذكرت قول أبوذر الغفاري" ما ترك الحقُّ لي صديقاً " ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : « ما ترك الحق لعمر من صديق» .


واصعب خسارة عندما يخسرك احد بسبب صدقك ، لا تدري اتأسف عليه ام عليك ، تخسر واحد تلو الآخر ، فيهوى واحد بعد الآخر ، حتى تبقى صديق صدقك .


كل الناس قادرون على الصراحة ، ولكن ليس كل الناس قادرون على الحوار ، فالحوار فن ، واقناع ، وتلاقح افكار وتبادل قناعات ، لا يجيده كل الناس وهذا منطقي ، ولكن غير المنطقي أن ينتج عن هذا الفن تخاصماً ، بحيث ينقلب الحوار الى حرب .


اذكر اني تعرفت على شخصية ما ، لم تلق قبولاً نفسياً لدي ، ولكن قاسيت على تحمله لشدة صعوبة شخصية ، احتراماً للقاءات متكررة جمعتنا سوية ، فمر وقت على تعارفنا ، ثم مر وقت على تبادل الافكار عبر التحاور المباشر وجهاً لوجه وعبر التحاور غير المباشر عبر الماسنجر .


ولكن لم استطع استساغته ، فطلبت لقاءه ذات يوم ، والتقينا وسألته هو ترضى ان يكذب عليك احد ؟ فقال : لا ، فقلت له : انا لا اكذب عليك واصدقك القول فيك ، قال: اسمعك ، قلت له : اني اعتذر عن استمرار صداقتنا لاني لا استطيع ان اتقبلك صديقاً ، فقال : اذن اعلنت الحرب على نفسك ، فقلت له : اذا كانت الحرب جزاء الصدق ، فمرحباً بالحرب .


ولم ارى وجهه منذ 14 عاماً مضت ، ولم يستطع أن يتفهم الصدق ، حتى وإن قُدَّم له بطريقة فنية ذكية صادقة ، وكذلك لم ينفذ اي تهديد فلم يستطع أن ينهي الصداقة بذكاء .


الكثيرون لا يتقبل الكثيرين ، الا بالاقنعة ، فبات الواحد منّا لا يستطيع أن يعيش الا بقناع ، ولكن منذ أن عرفت الاقنعة ، تذكرت أن امي رحمها الله ( حاربت ) القناع عندي منذ طفولتي فلم يصبح لدي قناع ، وتأكد عندي خيبة المقنعون الخائفون من الظهور كما هم .


المقنعون غير واثقين بانفسهم وقبل ذلك غير واثقين بعظمة من خلقهم على احسن تقويم ، وتذكرت ايضاً اني وضعت فوق سرير نومي لوحة مكتوب فيها ( الصدق في اقوالنا اقوالنا .. والكذب في افعالنا افعالنا ) .


وتذكرت وانا اكتب هذه السطور كم برمجت وعلى مدار سنين أن اكون كما أنا ، اعيش بلا اقنعة ، رضي من رضي وغضب من غضب ، وللتأريخ اقولها لقد اكرمني الله لصدقي بإخوة وصحب كالجواهر بل اثمن والله ، اصحاب اتقياء انقياء ، احبوني كما أنا ، كما احببتهم دون اقنعة .


وعندما اضع الكثير الذين خسرتهم بسبب صدقي معهم في كفة ، واضع القليل الذي ربحتهم في كفة اخرى ، تميل بالصادقين كفة الميزان على قلتّهم ، دون ادنى شك او ريب .
[ Read More ]

بالمختصر المفيد

كنت في الخامس الابتدائي ، والى جانبي يجلس صديق ، رمقته يخرج ورقة بيضاء صغيرة ، لم اكن اعرف انها جريمة الا عندما تذكرت اننا في امتحان ، فعرفت انه يغش ، فرفعت يدي دون اي تردد لوحت للمعلمة فاقتربت حيث نجلس .


فاخبرتها على الفور ان فلان ( صديقي ) يغش ويخبئ في جيبه الدليل ، وبكل حزن شاهدته وهو يسحل من ياقته مطروداً ، مردداً في نفسي ان الحق حق ، وانه لايصح الا الصحيح .

 ولكن ... لم أسْلَم من عشرات الأعين التي تنظر الية شزراً ، فمن زملائي في الصف عدوني خائناً ، وبعضهم همس في اذني ( الفتنة أشدُّ من القتل ) .


 رجعت الى البيت وأنا في توهان فكري ونفسي ، المعلمون عاملوني كأني بطل قومي ، وزملائي عاملوني كأني خائناً يستحق الاعدام . فجلست افكر طويلاً بما حدث ، ولم اجد اجابة او تفسير للامر ، سوى ان والديّ علموني من قبل ان الله ينظر الينا في كل مكان وزمان ويعرف مافي القلوب .


 ومرت السنوات ، ودخلت قاعة الامتحان ، فرأيت المدرس يعلم علم اليقين ان بعض الطلبة يغش ، ولا يقول لهم شيء ، ورايت انه يوزع الاجوبة بيده ، بل سمعت ورأيت بام عيني عشرات الصفقات التي كانت تتم بين زملائي وبين مدرسين كنت اعتقد انهم مثال التقوى والورع والاحترام .


 فدخلت صراعاً قوياً بين الخير والشر بداخلي ، هل التزم الخير فارسب واعيد السنة تلو الاخرى ، ام اسلك طريق الغش وانجح باعلى معدل وبفلوسي ؟


 ومرت سنوات آخر ، والتحقت بالجامعة فوجدت في الجامعة المحسوبيات والعشائريات والانتماءات والحزبيون المقربون والمنتفعون بكافة الاشكال والالوان والمذاهب والاديان .


 وتخرجت وأنا ارى الدنيا باسرها تتصارع بين الخير والشر ، نتعلم شيئاً ونعمل خلافه ، ننادي بالقيم ونتعامل بالمنكرات ، نلبس اقنعة انبياء ، واجنحة ملائكة ، بينما نفوسنا كنفوس الشياطين ، وانفاسهم الكريهة .


 لا ابرئ نفسي مطلقاً من لوثات الحياة والبيئة ، ولعل الذي يشفع لي ادراكي للخطأ وتقدمي على غيري خطوة نحو التصحيح ، وهذا مااشجع به نفسي واشجعكم ايضاً.


 اسمحوا لي ان الخص هذا الصراع بقصة من وجهة نظري المتواضعة لو خطت بماء الذهب لما اوفينا حقها ، والحكاية تبدأ من مشهد حواري بين الخير والشرمنذ أمد بعيد جداً ...



 يقال ان الخير التقى الشر فقال : اتحملني ام احملك ، قال الشر تحملني ، قال الخير وكيف احملك وانت الشر ، بل الخير يجب ان يركب فوق الشر ، فوافق الشر على هذه الصفقة ، فانحنى ورفع الخير على كتفه ، ومنذ ذلك اليوم ( الخير هو الذي فوق والشر هو الماشي ) .

 وحتى لا اصاب بمرض السوداوية واصيب قرائي به ، دعونا نتسائل ، عندك أنت عزيز القارئ .. من هوفوق ومن هو تحت ؟


وكيف ننقذ من يعتقد ان القيم يجب ان تبقى حبيسة أروقة المعابد والكنائس والمساجد ، بينما يسود الشر ماسوى ذلك ؟


 متى يصبح ظاهرنا كباطننا ؟ وسريرتنا كالعلن ؟

لا ادري ..

[ Read More ]

;