كنت في الصف الثاني المتوسط ، أي في الثاني اعدادي كما يعرف في مصر ، مرحلة حرجة لم تمض بدون غرائب وطرائف ، فقد كان عقدة حياتي الجبر وعشق حياتي الهندسة ، نعم بكل مايمكن تصوره من تناقض كنت كذلك .فقد جلست ادرس مادة الرياضيات تحت يد أخي الحبيب الاكبر مني ( علي ) ، وشرح لي الهندسة فهضمتها كانها قطعة حلوى ، وشرح لي الجبر فحشر في بلعومي كاني ابتلعت قطعة حديد صلبة .
لم افهم ماذا يعني الجبر ، ينتمي ولاينتمي ، اكبر اصغر ، الى اليوم ، احسست اني لن استعملها في حياتي يوماً وبالفعل ، حتى صرنا عدوين لدودين لبعضنا ، الجبر وانا .
عجز اخي مراراً عن ادخالها بمخي فلم يفلح ، حتى وصل به الحد أنه صار يناديني مازحاً بـ ( ذو العقل الاستاتيكي ) الثابت الصلب المتعجرف .
والمؤذي في الموضوع بالنسبة لاخي اني أحصل بالهندسة على درجة 100 و99 بالمائة ، في كل امتحان ، ولكن في الجبر كنت احصل على خيبة امل كبرى لاتتعدى الـ20 والـ30 بالمائة . وهذا بالضبط الذي يجعله يستشيط غضباً ويشد شعره .
اثناء ذلك التحقت بمدرستنا مدرسة جديدة لمادة الجبر والرياضيات ، إسمها استاذة ( إيمان ) ، واعطتنا مادة لابأس بها ، تؤهلنا لامتحانات نصف السنة .
وامتحنّا امتحانات نصف السنة الدراسية ، وجاء يوم الجبر المزعج بالنسبة لي ، فدخلت وفتحت دفتر الامتحان لاكتب الأجوبة فلم اعرف شيئاً ، فحاولت فاجبت على بعض الاسئلة ولكن الاجوبةالاخرى لم اعرفها والاسئلة صعبة ومستعصية ، مع اني درست الجبر حينها حد الغثيان ، ولكن عقلي توقف في تلك اللحظة .
دق جرس نهاية الامتحان ، وقد اعتصر قلبي الماً من شدة الخيبة ، فهذا اول امتحان يمر علية لا اعرف الاجابة عنه ، ودار بذهني 1000 سؤال وعلامة استفهام ، كيف وماذا اقول لو سئلت عن إجابني ؟ ماذا اقول لاخي علي ، ماذا اقول لاهلي ولامي ( رحمها الله ) بالذات ؟
فرجعت الى البيت مكتئباً ، وغلقت باب الغرفة بالمفتاح ، واندرجت في السرير أبكي ، وأبكي بمرارة ، خشية أن اتلعثم في الاجابة اذا سألني احدهم .
وفجأة تذكرت ان معي ربي يحميني ، ويرعاني ، ويساعدني ، فدعوت الله من كل قلبي أن ينجحني كيف شاء ، بعيون تملئها الدموع ، وقلب يترجف بالرجاء ، ويدين مرتفعتان بالامل .
ونمت ...
وبعد انتهاء عطلة نصف السنة ، ذهبت الى المدرسة ، وقلبي يكاد يخرج مني ، إذ حان موعد تسليم دفاتر الامتحان للطلبة لرؤيتها .
ونادت استاذة ايمان بإسمي ، فبدون شعور ووعي ، قفزت متعثراً لاخذ الدفتر ، فقالت 76 بالمائة ، فقلت كم ؟ قالت : حصلت على 76 بالمائة .
فذهلت ، كيف ذلك ، وبسرعة فتحت الدفتر ، فاذا بي ارى العجب العجاب ، لقد وجدت أن المدرسة الرائعة الشقراء الحسناء مدرسة الجبر ، قد مسحت بممحاة قلم الرصاص إجابتي الخاطئة واستبدلتها باجابة صحيحة .
لقد قامت بعمل ذلك بنفسها ، لاادري لماذا ؟ ولا ادري صحيح مافعلت ام خطأ ، لم اهتم في حينها بقدر مافرحت ، وطرت بهذه النتيجة سابحاً في الفضاء ، وقد اهلتني هذه النتيجة لانجح بمادة الجبر في نهاية العام .
وهنا .. تسائلت ومازلت اتسائل :
هل رحمة الاستاذة ايمان هي التي دفعتها لفعل ذلك .
ام الله الذي استجاب لدعائي ؟
ام كلا الامرين ؟
لا ادري




