ربمّا يعتقد البعض أن هذا شيئاً سلبياً ، ولكني أراه ايجابياً نوعاً ما ، فقد تربيتُ على ذلك في جوٍ يحملُ مناخاً حراً متعدد الخيارات ، فأسرتي لم اتذكر يوماً أنها أجبرتني على اختيارِ لون أو قطعة ملابس او طريقة لعب او ممارسة هواية او نوع دراسة او ماشابه ، بالعكس كانت الخيارات جميعاً متاحة ، وبيدك أن تقبل أو ترفض .
الا ان مايشوب العناد والتمرد هذا نوعاً من الخسائر ، تصل أحياتنا الى الدم ، ربما ستدهش عزيزي القارئ من هذا الكلام ولكنه الحقيقة . فقد كانت امي رحمة الله عليها تنهاني عن أشياء ، لا أجرب غيرها وأتعمد مخالفتها وأقول في نفسي لم َ نهتني عنه ؟ ما الذي يحمل من دهشة ومفاجئات وغرابة ؟ أظل افكر في اختراقه وفهمه حتى اكتشفه بنفسي .
فمرة من المرات الكثيرات ، قامت أمانة العاصمة مشكورةً بعمل تسويةِ وتبليط ِالشارع بالاسفلت ، وقد أعجبني شكل الالات الحديثة التي تقوم بالتسوية والتعديل إذ رايتها من شرفت البيت من بعيد ، فكان شكلها غريباً والعمال يلوحون بايدهم ايذاناً بانهاء الشارع ، وكأنهم يخبرون بعضهم بان الفرج قريب وسينتهي عملهم قريباً ، ولكن بالنسبة لي كانت هذه الاشارات اشارة لي باني لابد ان افهم والمس واشعر واحس بهذه الالات وبطبيعة عملها عن قرب ، قبل موعد ذهابهم .
ففي الظهيرة الصيفية شديدة الحر ، سدّت امي باب البيت بالمفتاح ، واخبرتها باني اريد ان انزل لالعب كرة قدم في الشارع ، وقالت لي : الشارع مسدود وكله أعمال وأشغال ، وقالت لي اننا سناخذ قيلولة وبعدها ممكن ان تنزل تلعب مع اصدقائك في العصر ان شاء الله .
كم كان هذا الكلام جميلاً ومريحاً بالنسبة لي اليوم ، اعتقد ان لا توجد ام في الدنيا تفهم ابنها كما كانت امي تفهمني رحمها الله رحمة واسعة ، ولكن في ذلك الوقت ، لم يكن مقنعاً بالمرة ، فقد إستفحل عنادي وتضخّم حتى صارَ كالغول المسجون ، يزبد ويعربد ، وأنا أردد في نفسي ، أريد ان أنزل ، أريد أن أراهم يعملون عن قرب ، أريد أن المس الماكنة ، واتحدث مع العمّال .
خلدت أمي للنوم ، ووضعت المفتاح تحت المخدة ، لانها تعرفني متمرداً وقد أسرق المفتاح لإنزل رغم أنف الجميع ، وقد حصل ، فقد فعلتها تماماً ، ونزلت وحققت ما اريد، وبعد أن أشبعت فضولي واستكشافي ، دعوت اصدقائي للعب كرة القدم ، فلم اكن اقبل بالتمرد لوحدي بل لابد أن أورط آخرين حتى يضيع الدم بين القبائل ، ولا ابدو المتمرد الوحيد بين الاولاد .
بدأت المباراة ، وكانت حاميةً ، وكوننا نلعب قريباً من مكان الحفر والتبليط ، فقد كانت تحيطنا احجار كبيرة ، مدببة ومسننة ومشوهة ومستوية وغيرها كثير . وانا منطلق للهجوم وإذا بي اقفز قوياً وبعيداً ولكن الى اين ؟ الى صخرة كبيرة مدببة ، اقع عليها ، وأضرب راسي بها بدل أن اضرب الكرة .
فما أفقت من الصدمة وفتحت عيني ، حتى وجدتني أغرق في بحر من الدماء ، أصب دماً من أعلى منجهي حتى قدمي ، ولم يتوان إبن جيراننا " حسين " جزاه الله خيراً ، في حملي لمستشفى الكندي العام في بغداد ، ودخلت الطوارئ ، فاذا بانفي قد كسر ، وعندي نزيف حاد ، وبعد التي واللتّيا ، خرجت من المستشفى ، وظللت وأخذت علاجاً طويلاً ، مع تورم وجهي الذي اتعبني نفسياً كلما رايت نفسي في المرآة ، فلم يعرفني اصدقائي في الاول إبتدائي ولا حتى المعلمات في المدرسة عندما رأوني هكذا .
ولكن مع جرعات الالم هناك نفحات فرح إذ استقبلت هدايا كثيرة من المعلمات في المدرسة ، ومن " ست سميرة " جزاها الله خيراً ، معلمة اللغة العربية . والذي أفرحني أكثر أن أمي الحنون لم تلمني ولم تؤنبني ولم تغضب مني ، وأنما جاءت مرة وانا لوحدي همست باذني كلمتين ، مثل الجبال الشامخات من عظمها ، تسيل منها الحكمة كسيل عارم لايتوقف ، قالت لي بهدوء : (( ان غابت امك ، فربك لايغيب ، كُسَر أنفك ، لتتعلم إن من يعصي قلب امه ، يكُسَر أنفه )) ثم قبلتني وأنا مطأطأ راسي وعيوني قد إغرورقت بالبكاء من الخجل .
سأتوقف الآن عن الكتابة .. لإني لنْ أستطع أن أقول أكثر مما قلتْ ... إلى اللقاء





اسمح لي استاذنا الكريم ان احيي تلك الرغبة الجموحة بداخلك والتي طمئنتي على نفسي ... فانا اعاني من نفس نوع الدماغ مع العلم اننني اراه شيئا شديد الإيجابية لأنني ارفض الاستسلام لكل ما يسكب داخلي ولا اخفيك سرا ان الحالات البسيطة التي اقضي فيها على الرغبة المتمردة في الكلام داخلي هي اللحظات التي اصاب فيها بالشلل التام حتى عن التفكير... تحياتي اشتاذنا الكريم ودعني أذكر انه لولا انكسار انفك لما عرفت الفارق بين قسوة الحجر وحنان الأم وبهذا فتمردك قد أضاف اليك مكاسب كثيرة
لولا انكسار انفك لما عرفت الفارق بين قسوة الحجر وحنان الأم ...
ياسلام عليك يااستاذة مروة ، والله رائع ماكتبت شاكراً لك صدق السطور وعناء القراءة .. دمت بالف خير