رن الهاتف .. ترن ترن- الو من معي .. هكذا سالتها اخي
- أجابت : أنا ست ظمياء معلمة اللغة الانجليزية
كنت في السادس الابتدائي وعشقتها … ليس كانثى ، ولكن عشقتها كمعلمة فاضلة مخلصة وكقائدة وسيدة قوية ، عيناها الزرقاوتان جميلتان حين تضحك ومخيفتان حين تغضب. وجهها المدور الابيض كقطعة الجبن ، وشعرها البني المفتول الجميل يخفى خلفه سيدة قوية الشخصية ثابتة الجنان لاتخطئ ولاتحب ان نخطئ. إنها مدرسة اللغة الانجليزية ، التي راهنت عليَّ وعلى زملائي في الحصول على أعلى نسبة نجاح باللغة الانجليزية في إمتحان البكلوريا.
كانت معلمة مثابرة حقاً علمتنا المذاكرة وحب اللغة ، شجعتنا حينا وخوفتنا حينا آخر، إنقسم الصف بين محب وكاره لها، فمن كان متفوقاً في الانجليزية يحبها ومن يكرهها فهو حتماً يكره اللغة ومعلمة اللغة. جاءت إمتحانات نهاية السنة الوزارية كأنها الرعد القاصف والاعصار المدمر ، بحيث كنا نقرأ ساعات طويلة .ذهبت الى الامتحان ونظرت الى الاجواء وقد تغيرت برمتها ، لا الوجوه نفس الوجوه ولا المدرسة نفس المدرسة كلهم غرباء إلا ورقة الامتحان والقلق ومغص الامتحان المعتاد .
نظرت الى اسئلة الامتحان فرأيت وجه "ست ظمياء" في الورقة ، وهي تبتسم فتشجعت وشرعت بالكتابة وبالاجابة وانا اتذكر كيف بدءت هذه المغوارة المشوار معنا من بداية العام حتى هذا يوم الامتحان املاً في تحقيق النصر بنا .وخرجت من الامتحان وتسائل بعضنا بعضاً عما أشكل علينا من الاسئلة ، وكالعادة أناس تفرح بحل السؤال واناس تحزن لانها كتبت اجابة خاطئة.
رجعت الى البيت بعد يوم مرهق وشد اعصاب لايوصف ، ودون ان اعلم جاءت اختي مهرولة وهي تصيح باعلى صوتها بأن عمار اصبح مشهوراً لدرجة أن معلمته المعروفة " ست ظمياء " تتصل شخصياَ لكي تطمئن على إجابته بالامتحان. اي زهو وفرح غمرني في هذه اللحظة وعيون أهلي المبتسمة تغبطني وتفخر بي وكان لسان حالها يقول : ماشاء الله … لقد اصبح عمار ذو شان كبير. واصرت " ست ظمياء" على مهاتفتي شخصياً ، وسالتني عن بعض الاسئلة التي ربما تكون صعبة عليَّ ، وطمنتها بان إجاباتي كانت صحيحة ، وأنتهت المكاملة ولم ينته صوتها ، فقد ظل يرن في أُذني ، وأمل النجاح يقرع اجراسه في داخلي .
ومرت الأيام … يوم بعد يوم … اخذنا النتائج … تفوقت وزملائي … وحازت المعلمة على اعلى درجة نجاح بالرصافة ، ونالت ماتستحق من اخلاص في عملها .
واليوم وانا اكتب هذه المدونة يداهمني سؤال مهم…
لماذا تذكرتك أنت بالذات ياست ظمياء ؟
كم اصبح نادرا من هم امثالك
كم شخص مثلك يتقن التخاطب العاطفي والوجداني ، كم شخص مثلك يهتم بالطلاب كما اهتممتِ بنا ؟
ياست ظمياء … يا كل من يسمع صوتي وصرختي …
هل راح زمن المعلم المخلص ياترى؟
هل إنقرض المعلم الكفوء كما انقرض الديناصور؟




