كثير منا يستنكف من ادميته وبشريته واقصد فطرته التي خلقها الله فيه ، وكثير منا يلجأ لنكران فطرته وعفوية بالتكلف ولبس الاقنعة ، فتراه مرة يلبس قناع الاب ، ومرة يلبس قناع الزوج ، ومرة يلبس قناع الغني والمترف ذو النفوذ الواسع ، ومرة يلبس قناع القوة وهو في داخله ربما اضعف من ضعيف.الكل يخاف الظهور على العلانية الا من رحم الله ، ومَدَّهُ رب العزة بشجاعة بالغة وظهر بدون رتوش ومكياج واصباغ والوان .
أذكر ان الفنان محمد منير ذو الشعبية العريضة سالوه ذات يوم لم لاتضع مكياجاً ؟ فأجاب قائلاً : "انا محمد منير لماذا ابدو غير محمد منير" .
ومن زمن بعيد احب العفوية واكره التصنع ، مما دفعني أن أبحث عن الناس الذين يشبهونني بهذه الصفة ، وقد واجهت فعلا شخصية رائعة وقدوة بالغة ، كان يدرسني اللغة العربية في مرحلة الاعدادية .
أشيب الشعر ، لطيف المنظر ، أنيق ، متواضع الى أبعد حدود ، كان لايخفي انسانيته ابداً ، بل بكل مرة أجد أنه يضع كل شي جانباً ويقدم انسانيته للطلبة ، اسمه الاستاذ عبد الجبار.
ولاسيما معي شخصياً فقد كان ودوداً لدرجة ، فمرة وفي العشر الاواخر من رمضان كنت أشد العزم على رصد هذه الايام بالقيام والتهجد حرصاً مني على ليلة القدر.
وأكثر الدارسين يعرفون ان هذه الفترة فترة امتحانات ماقبل نصف السنة ، ويتحدد فيها مصيرك كطالب حتى نهاية العام . وشاهدنا من القصة اني سهرت للصباح للتهجد وكان اليوم الذي يليه عندي امتحان لغة عربية .
فلم انم طبعا وذهبت بعد الفجر للمدرسة ، وحين جاء وقت الامتحان لم ادخل الدرس ، بل وقفت عند الباب الى ان وصل الاستاذ عبد الجبار ، فقال لي ادخل ياعمار لم انت واقف هنا ؟.
فدار في ذهني حوار داخلي ، ياترى هل أكذب عليه واقول له كنت مريضاً كما كان يفعل الكثيرين من الزملاء ؟ ام هل أصدق معه القول والنجاة في الصدق واخبره بالحقيقة ؟
والله ثم والله لولا أني أتلمس بهذا الرجل روح الاخوة الصادقة والرفق والحنو فما تجرأت بان أقول له لن ادخل قاعة الامتحان .
نعم … قلت له لن أدخل للامتحان ، لاني كنت في المسجد طول الصباح اصلي … ظل الرجل مندهشاً لبرهة … ثم قال : وهل يمنعك هذا من الامتحان ؟
قلت : نعم لاني لم اقرأ شيئا ً .
قال : حسناً اذهب فسوف امتحنك مرة اخرى وقت ماتكون مستعداً .
احسست بكلماته هذه ، ان ماءً بارداً نزل على صدري البركاني المتاجج .
نسي الاستاذ سلطته عليّة ، ونسي أنه قادر على منحي ( الصفر ) بمجرد ( شخطة ) قلم ، وتذكر بانه انسان ، يحب الله ويحب الناس ويقدر الصدق .
ذهبت الدنيا بايامها ، واستمرت الحياة ، ولكن … لن يتمكن احد من محو هذه الذكرى الجميلة من فكري ، ولن يشعر احد بمثل ماشعرت من رجل احب أن يكون انسانا ً قبل ان يكون شيئاً آخر.
ياترى وبعد سنين ؟ هل اذا كنت في موقف مشابه ساعمل مثلما عمل استاذي عبد الجبار ؟ أم ساعيش الدور والفوقية على الاخرين والبس قناع السلطة .
أعتقد ولا أزكي نفسي باني سأكون مثل استاذي … والفضل لله … ثم لاستاذ عبد الجبار الذي غرس في داخلي معنى جديد لم اعرفه قبله … الاحساس بالاخر مهما كان .
أضف الى مفضلتك




