كان رجلاً مميزاً ، جاحظ العينين ، أجش الصوت ، كبير المنخرين ، مفتول العضلات ، يحتسي الخمر بدل الماء ، لذا كان سكيراً من الطراز الأول ، إنه جارنا. كل يوم .. نعم كل يوم لابد ان يضرب زوجته ، ونسمع صراخهما يصل الى سابع جار ، تحط عليك الشتائم وأقبح الأقوال مثل المصائب ، وتنزل عليك كالصواعق ، فيجرح قلبك قبل أن يجرح إذنك ، ولا أعرف كيف مرت الأيام مع حروب الليل الطاحنة التي كان يشنها على زوجته .
أما زوجته فكانت تدعو عليه ليلاً ونهاراً بأن ترى فيه يوماً اسوداً حالك السواد ، كيوم عاد وثمود ، ولو أعصر ذهني عصراً لا أتذكر يوماً اشفقت عليه بكلمة لأنه كان قاسياً عليها أشد القسوة .
مرت الأيام تلو الأيام حتى سمعنا صراخ زوجته ، وكنا نحسبه صراخاً كالمعتاد عليه ، ولكننا لم نشهد له مثيلاً من قبل … ياترى لماذا تصرخ ؟ ولما شعرنا بأن صراخها كان مختلفا عن كل مرة ؟ هل سرق بيتها ؟ أم مات أخوها ؟ أم ماذا حدث بالضبط ؟
أتصدقون ماذا حدث ؟ لقد مات زوجها ، فالتهب الصراخ لهيب النار واستطار الشرر إلى كل بيت وحطَ برحالهِ كل مسمع ، ثم تعالت الصيحات وأنظم جوق النسوة اللواتي سمعن بالخبر من الجيران ، وأنا أرى أناس يذهب وأناس تأتي ولا أعرف لماذا كل هذا ؟
أختلست إنشغال أهلي بالموضوع وكلامهم واندهاشهم بموته ، فدخلت الى بيتهم ورأيته حيث مُسجى على الارض والنسوة من حوله يصرخون وقد توشحن بالسواد ، رأيت زوجته تنوح عليه وتمسك به وتلمسه من أسفل جسمه إلى أعلاه وتقول : كيف تتركني وكنت أرق الناس ، كيف أعيش بدونك ياشمعة بيتي ، وهي تضرب على صدرها وتمزق ثيابها والنسوة يمسكن بها .
تعجبت من قولها ونحيبها بل وغزلها في زوجها الذي عذبها طول حياته ، وكانت تتمنى له الموت كل يوم الف مرة وتنتظر لحظة دفنه لتنهي رحلة شقائها وتطوي صفحة عذابها الى الابد.
كيف تحولت من البغض الى الحب ، وكيف انتقلت لغة الكراهية الى لهجة العشق والنسيب؟
ظل الأمر يشكل علامة إستفهام حتى إنقضت أيام العزاء الثلاثة ، وقتها سألت امي (رحمها الله) لماذا تغير موقف المرأة مئة وثمانون درجة ، فأخبرتني بمثل شعبي شهير فقالت: ( إلي يموت تطول كراعينه ) ، وهنا زادت حيرتي حيرة وسالت والدتي سؤالاً مباشرا ً، لماذا ؟
وأنا لحد الآن اتسائل … لماذا؟




