مـدونة شخصية جداً .. عصـارة تجـربة أثْـرَث حيـاتي .. وربـمَّا تُثري حيـاتك

Facebook
RSS

ذاكرة مفخخة

-
د. عمار عبد الغني

صدق الله العظيم ..

انتهيت من قراءة سورة الدخان ..

هكذا كان يقول خالي " بهجت " اطال الله عمره يوم ان كان يرقيّني ويقرأ عليّ آيات من القرآن الكريم . ولا اتذكر كم كان عمري بالضبط ولكني اخمّن اني لم اتجاوز السابعة من عمري . اذ كنت افزع في الليل صارخاً ، واضل ابكي ، واتصور كأن احداً سيقتلنا ويضربنا بالرشاش ، كيف لا والاجواء ملوثة بالحرب العراقية الايرانية ، والاسماع مليئة بمئات الاخبار التي نراها في التلفاز وحديث البيت المخيف .


اكاد اجزم انه لا احدٌ من العراقيين ينسى " صور من الحرب " ، ولا اتصور انه احد منهم لم تقفز الى ذهنه الآف من صور القتلى والجثث المحترقة والدماء التي ملئت الارض . فهذه البرنامج كان يعرض على شاشات التلفزيون كل يوم ، وملايين الناس ينظرون اليها كل يوم ، ويتحدثون عنها كل يوم ، ولهذا اخاف وافزع من النوم كل يوم .

كان الخوف ياتينا من كل جانب ، ففي يوم من الايام وفي مدرستي الابتدائية اسمها " بغداد الجديدة " وتحديدا في درس اللغة العربية ومعلمته الاستاذة " سبته محمود" ذكرها الله بكل خير، وكنت اقرأ في في مادة المطالعة والنصوص ، قصيدة :

بِيضٌ صَنائِعُنا
سودٌ وقائِعُنا
خِضرٌ مَرابعُنا
حُمرٌ مَواضِينا
لا يَظهَرُ العَجزُ منّا دونَ نَيلِ مُنىً
ولو رأينا المَنايا في أمانينا

وبالكاد انتهيت من كلمة المنايا ، فاذا بصاروخ يضرب المنطقة ويكسر كل زجاج المدرسة على رؤسنا ، ولا تقل اني انا السبب ، بل هي الحرب وانا لست سوى تلميذاً بريئاً لا حول له ولا قوة .

حتى درس الرسم كان حرباً ولكن على الورق ، فكلما طلب منا استاذاً ان نرسم رسمنا دبابات تضرب وطائرات تقصف ونيران مشتعلة ، والرياضة عنف وضرب وتقليد لما نراه في التلفاز من افلام الاكشن ، ناهيك عن درس الدين فكان حثاً على الجهاد ونصرة المجاهدين في المعركة .زد على ذلك درس التاريخ فكان ياخذك من حروب الرومان واليونان والمعارك الاسلامية ومعارك العثمانيين ومحمد علي الى الحرب العالمية الاولى والثانية .

يا الله .. كيف يمكن الانسان ان يرى ويسمع ويشعر بكل هذا الهم والغم والاخبار المخيفة والصورة المرعبة والمعلومات التي ترعش الذاكرة ولا تنعشها ، كيف يمكن لطفل لم يدخل مرحلة المراهقة بعد ان تمطر عليه مثل هذه الاحداث وتتوالي عليه كالفيلم السينمائي ثلاثية الابعاد .

اذكر موقفاً طريفا حصل معي ليلة الاتفاق على وقف اطلاق النار مع ايران ، واذا بالسماء تتفجر بالالعاب النارية احتفالاً بهذا القرار ، فقد كنت نائماً فوق سطح البيت ، واذا بي افتح عيني على ضوء ساطع واصوات الرشاش ، فقد تعود العراقيون عندما يحتفلون ان يطلقوا العيارات النارية ، فيقلبون الفرح حرباً ، حتى الافراح لم تنجو من الحرب .

وفي كل خميس في المدرسة تتم مراسيم رفع العلم ، والتي لا تخلو من اطلاق الرصاص اثناء رفع العلم ، فكنت ارى زملاء لي بعضهم يسد اذنيه وعينيه وبعضهم يختبي خلف زميله خوفاً وهلعاً .

والعرس لا يسمى عرساً الا اذا اطلق فيه النار ، والاحتفال بمنتخبنا الوطني لكرة القدم لا يحتفل به الا باطلاق النار ولايهم اذا ادى ذلك الى موت الناس او الحريق او الاصابات التي تملا المستشفيات ، كل هذا لايهم مادامت الناس فرحانه باطلاق العيارات النارية .

النار والاخبار والحرب والدمار ، كلها تؤكد انك ميت لا محالة ، وان اللص على باب بيتك ، والصاروخ فوق راسك ، والرصاص سيحصد صدرك في اي وقت .

اسالك بربك ايها القارئ العزيز ، بعد كل هذا كيف لا انهض من النوم كالمجنون وكيف لا تتلى على راسي ايات القران الكريم ليطمئن قلبي في عالم غير مطمئن ؟
واخبار واجواء وانواء تنزل عليك كالصاعقة كل يوم ؟
وكيف يطلب من اطفال في هكذا عالم يرسمون مناظر طبيعية والمناظر الطبيعة عندهم كما ذكرت حرباً في حرب ؟
كيف يطلب طفل ان يكون هادئاً في عالم مضطرب ؟
بل كيف يطلب من اطفال ان يتذكروا طفولتهم ، وهي محشوة بالبارود تكاد تنفجر بصاحبها في كل لحظة ؟


3 Responses so far.

  1. Unknown says:

    your words are so effectives, all Iraqies know what was the situation like. May Alah bless us., and we may return to our beloved Iraq sooner not later.

  2. Thank you my sister Lamia to comment, thank you for your positive and beautiful soul

  3. مسألة مهمة طرحتها في هذه المقالة و هو العنف الذي نشهده أثناء الطفولة و لا أخفيك أني عشت نفس التجربة و أحيطك علما أ،ي من الجزائر و قد عشنا حربا أهلية الحمد لله الذي أخمد نارها
    فعندما كنت صغير كان يخيل لي أن الإرهاب سيقتحم بيتنا و سينحرنا
    الحمد لله بعد تعلمي بعض الفنون الجميلة الحديثة في علم النفس عرفت كيف أرجع السلام في ذاتي
    و معظم الشعوب العربية عاشت هذا الشعورالسلبي
    حتى ننهض بالأمة من جديد أعتقد أننا لابد من نعيش بسلام مع ذواتنا

Leave a Reply

;