مـدونة شخصية جداً .. عصـارة تجـربة أثْـرَث حيـاتي .. وربـمَّا تُثري حيـاتك

Facebook
RSS

لغز إسمه جسّام

-
د. عمار عبد الغني


أقدّسُ الصداقة وأحب الاصدقاء وأحرص عليهما كعيوني التي أرى بها ، وحين كنت صغيراً في العاشرة من عمري التقيت صديقا في مدرستي اسمه "جاسم " وكنت اناديه بـ(جسّام ) ، وكان هذا الصديق ذو صفات رائعة ولم ارى منه الا الخير ، وفعلا تصاحبنا وغدونا نذهب سوية ونرجع سوية وتعرفت على اهله واحبوني وتعرفوا على اهلي واحبوهم ، وكل ذلك وانا في العاشرة من عمري.

ثم مرت الايام وانتقلنا الى بيت جديد وبعدت المسافة ولم استطع حينها ان اركب السيارة واذهب اليه او ان اراه لاني مازلت صغيرا او هكذا فرض عليّ اهلي من اكون صغيرا وانا في الاول متوسط .

وبعد سنين من الانقطاع … لم يزل "جسّام" يدور في ذهني واشتاق اليه لانه صديق الطفولة كما يقال ، حتى قررت وانا في المرحلة الاعدادية وفي السادس تحديداً ، رغم انشغالي بالدراسة ومحدودية الميزانية التي املكها ، بالكاد تكفي مشاوير المدرسة ، رغم كل ذلك قررت الذهاب للبحث عن صديقي القديم ، وفعلا بدات المشوار وذهبت الى منطقتنا القديمة في بغداد الجديدة ( وهي حي معروف في جانب الرصافة من مدينة بغداد الصابرة) .


ورحت اسال عنه وفجاة وجدت بيت عمه لازالوا يسكنون في بيتهم ذاك ، فطرقت الباب فخرجت خالته ، ( طبعا خالته متزوجة من عمه ) ، فسلمت عليها وبالتاكيد لم تتذكرني لكن عندما ذكرتها بي وباهلي بدات ترحب وتشكرني لان زرتهم بعد طول السنين ، واحسست ان بيتهم بدا يرقص فرحا بزيارتي.

وسالتها عن "جسّام" وقلت لها اريد ان اراه ، اخبرتني بانه الآن بخير وهو يخدم خدمة العلم وقد انتقل بيتهم الى منطقة الدورة ( وهي منطقة معروفة ايضا في بغداد ولكن في جانب الكرخ )

ومع ذلك قررت الذهاب اليه في نفس اليوم والحمد لله كان العنوان واضحاً ، وفي الطريق للوصول الى بيتهم وجدت طفلة وهي ترجع من مدرستها ، فنظرت اليها وكانها جسّام وهو صغير ، فعرفت انها اخته الصغيرة ، ( شفتوني شلون ذكي لكفتهة وهي طايرة ) فسالتها عن بيتهم فاخذتني ودخلت تخبر امها؟

خرجت ام جسّام وهي تنظر الي باستغراب ولم استطع ان انهي سلامي حتى استقبلتني بالقبلات قائلة : (( هلة يمة هلة صدك جذب ماشاء الله صاير شكبرك)) ، فغرقت في عرقي واحمر خدي واصفر وجهي ( وصرت قوس قزح) .

وبعد ان سالتني عن اهلي وصحتهم واحوالهم ، سالتها عن جاسم فقالت ان جاسم غير موجود فهو ملتحق بالعسكرية ، وسوف يعود بعد 12 يوم ، وبما اننا لم نملك تلفون ، ولم يكن النقال بعد قد ظهر للوجود ، فلم يكن بيدي سوى ان اقدم وعداً باني اعود اليهم لارى جسام والتقيه بعد هذه السنوات مرة اخرى.

وبعد انقضاء اسبوعين كاملين عدت من جديد لارى صديقي القديم الجديد ، فوجئت باستقباله البارد ، وكلامه الرتيب، واجاباته المقتضبة ، ونظراته اللامبالية ، وجلست معه كاني اجلس في الاسكيمو او كاني قابلت قطعة من الجليد ، اين المشاعر ؟ اين الاخاء وصداقة الطفولة ؟ اين واين واين ؟

خرجت وانا في ذهني سؤال واحد يدور في داخلي ، وهو " هل هذا جزاء الوفاء؟ ".

لم تنته الدنيا عن هذا الموقف ، وانتظرت فرج الرحمن وتعويض المنان ، ومرت الايام حتى تعرفت باحبة واخوة واصدقاء لو وضعتهم في كفة ووضعت الكون كله في كفة لمالت كفتهم بلا منازع .


وبقى موقف جسّام لغزاً لم يحل لحد الان . . . رغم انه صفحة طويت ، وماضٍ لايحظر الا في هذه السطور.


Leave a Reply

;