مـدونة شخصية جداً .. عصـارة تجـربة أثْـرَث حيـاتي .. وربـمَّا تُثري حيـاتك

Facebook
RSS

عاصفة الدم ( ج2)

-
د. عمار عبد الغني

ترددت كثيراً قبل أن اكتب عنه ، ذلك ليقيني بان كل كلمات الدنيا لن تفيه حقه ، ولو كتبت من الأن الى يوم القيامة لن اصف جزء من الف جزء من اخلاقه ، فمارأيت في حياتي رجلاً يحمل الأخلاقَ كما يحملها ، ويبثها كالعطر بين الناس كما يفعل.

عرفني عليه صديق لي في المسجد ، واخبرني بانه رجل يحب الشباب وصاحب همة عالية، فرايته رجلا كبيراً في السن عنا قليلاً ، ومنذ ان صافحته ووضعت يدي في يديه حتى دخل في قلبي .

ومن هنا بدأ مشوار الصداقة والأخاء ، فبعد الغزو الأمريكي على العراق كنت على وشك مناقشة رسالة الماجستير ، ولكن للأسف لاكهرباء ولا مكاتب طباعة موجودة ،فكلها اغلقت ابوابها ، ولكن باب الله لايغلق ابداً فانظروا ماذا حدث .

وصل الى مسامع صديقنا أنني في ازمة ، فجاء اليّ من ذاته بدون ان اطلب منه مد يد العون ، طلب مساعدتي وطباعة الرسالة في بيته لان لديه طابعة ، فاخجلني بكرمه واخلاقه ، فاعطيته الرسالة في دسك .

وجلست في البيت وكلي فرح بهذا الموقف العظيم ، ففاجأني بمجيئه سريعا ً ، فسالته ماذا حدث ؟ هل انهيت الطباعة ؟
فاخبرني بان الدسك يبدو فيه فايروس ولايريد أن يعرض محتوياته ، فطلبت مساعدة صديق لي يعرف فنون الحاسبات وجنونها ، فذهب معه الى البيت وطبع الرسالة ورجع بها الي وقدمها لي .

صدقوني ربما يرى بعض الناس ان هذا الموقف طبيعي جدا ، ولكن لو تعرفون أنه أغلق محل عمله لاجلي وأنه أنفق مايقارب 50 دولاراً يومها على الطباعة وبنزين سيارة ، لان البنزين آنذاك كان غالياً جداً بسبب الحرب.

مرت الأيام بساعاتها وزاد الحب بيني وبين هذا الصديق ، فزرته للبيت وزارني وتبادلنا الأحاديث بشجونها وفروعها وضحكها وبكائها ، وأحببت أبنائه الذين كانوا اقماراً بجمالهم وطلعتهم البهية ، وهكذا ابوهم ذو الوجه المستنير بنور الأيمان والتقوى.

وفي نهار غائم حدث مالم يكن بالحسبان ، تم اعتقال صديقنا الى سجون اياد علاوي رئيس الوزراء في العراق زمن الأحتلال ، وتم تعذيبه بأبشع أنواع التعذيب التي لا أريد أن أخبركم بها حتى لا أزيد حزنكم حزناً ، وظلت عيوني تذرف عليه الدموع ويدي الى الله مرفوعة بالدعاء ان ينجيه من العذاب .

وبعد أشهر سوداء عصيبة أفرج عنه مع إعتذار بالأشتباه ، خرج صديقنا وعليه آثار التعذيب المر الأليم ، زرناه للبيت أنا ومجموعة من الأصدقاء ، ففرح جدا ً واشعرناه بالدفء والحميمية بوجودنا ، فكان دمي الخفيف قد فرض سطوته على اجواء اللقاء ، فاضحكناه وافرحناه وانشدنا له اناشيد اسلامية حمداً لله على سلامته .


وعندما أردنا العودة للبيت ، أصر إصراراً عجيباً بايصالنا بسيارته شخصياً وقلنا له انك متعب جدا ً ونرجو ان تريح نفسك من المشوار ، فابى الا ان يوصلنا الى البيت ، فاوصل كل شخص منا الى بيته وفي الختام رجع الى بيته .


وبعد يومين رجعت من الجامعة وكنت اكتب اطروحة الدكتوراه ، فعدت ومعي 10مجلدات احملها بحقيبتين كبيرتين الى البيت ، وأنا في هذه الحال وصلت الى البيت وقبل ان أدخل اليه ، نادى عليّ صديق لي أتاني يلهث ويرتجف ووجهه أصفر مشحوب ، فقال لي: (( لقد مات ابو حارث))


فسقطت الكتب من يدي وتناثرت على الأرض في لحظة احسست ان الكون توقف وان لاشيء فيه الا الألم .


الألم الذي بدا وكانه بركان يتصاعد من اسفل قدمي الى رأسي وأحسست أن الدموع تجمعت في محجر عيوني ويجب ان أبكي بسرعة قبل أن ينفجر الدمع في عيوني أو ربما تنفجر عيوني قبل الدمع.


فاستندت الى الحائط وخانتني قدماي فلم تحملاني فجلست أبكي بحرقة وانا مصدوم او قل مشلول او قل مذ ، وبكيت وبكيت وبكيت اياماً وليالٍ طوال ، ولكن الذي جعلني اصبر واستفيق من حالتي هذه هو اني احتسبته قد مات في سبيل الله ، وانه مات مظلوماً ولم يمت ظالماً ، مات وهو رجل الأخلاق بحق ، رجل والله اعجز عن وصفه ، ولكن يكفيني انه كان في عالمنا شخص مثله ، وان الله كتب لي ان التقيه واتعرف عليه ، انه الصديق والاخ الرائع " احمد عبد الله القيسي" رحمه الله عليه.


ولو كان بالامكان ان يصل صوتي الى مسامعه لهمت له ابشره باني اتممت درجة الدكتوراه واني اهديت له ، واني رايت بحقه رؤيا صالحة ، وكأنه يعيش في المدينة المنورة بقرب الحبيب سيد الاخلاق (محمد صلى الله عليه وسلم )وانه لازال عائشاً ولم يمت ، ولبشرته بان صديقنا " محمد هاشم " قد عمّر له عمرة في سبيل الله ، ولاخبرته باننا اشتقنا اليه كشوق الضمآن للماء … وشوق المخنوق للهواء .


رحمك الله ياأبا حارث وتقبلك في الشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقاً .

2 Responses so far.

  1. غير معرف says:

    د.عمار والله ذرفت عيناي على رجل ساهم احببته واحبني رغم الفرق الشاسع بيني وبينه بارك الله بيك اخوك قدامة العاني

  2. حياك الله اخي قدامة .. اذا كنت تعرف الشهيد ابو الحارث فياريت تخبرنا عنه وعن مناقبه ماتعرف ، وتعطر المدونة بسيرته الطيبة .

    حفظك الله ورحم ابو حارث وسدد على الحق خطانا

Leave a Reply

;