كل الناس ولا ابالغ ، يسالون الاطفال ويقولون لهم ، ماذا تحب ان تكون في المستقبل ، فيجيب بعضهم بـ( الطبيب ) والاخر بـ( المهندس ) والاخر بـ( المحامي ) ، وازعم ان هذه الاجابات ماجاءت عبثاً ولن تذهب عبثاً ، بل إنه غرس حب الطموح الذي يزرعه الاباء في عقول الابناء ، وهذه شيء طيب ، الا اذا اصبح تسلطا ابوياً على الابن فيما بعد ، فيخطف الأب حلمه واختياره ، وترغمه الأم على دراسة شيء لا يرده .
ولن تذهب هذه الاجابات عبثاً كون أغلبها سيظل عالقا في ذهن الطفل حتى ياتي يوم الحقيقة ويقرر ماذا سيختار ، يوم ان يقف على اعتاب الثانوية العامة ( الاعدادية ) والذي يمثل بوابة العبور الى الجامعة ، وبه يتحدد الاتجاه العلمي .
انا ولله الحمد .. حباني الله بابوين رائعين ، وباسرةٍ متفهمة جداً ، اعطوني حرية الاختيار ، وان احتجت الى نصح ينصحوني طبعا ولكن الكلمة الاولى والاخيرة لي . ولا اخفي عليكم كم كان الاختيار صعباً ، وكلما تعددت الاختيارات والهوايات والرغبات ، زاد الامر صعوبة وتشتتاً .
في الواقع تمنيت ان ادرس كل العلوم والمعارف ، وتمنيت ان يكون لدي اعماراً وليس عمرا واحدا ، حتى اتجول بكل ميادين الفكر والمعرفة كما اشاء ، ولكن هذا لن يحدث ، بل لابد من الاختصاص في شيء محدد ، اذ كنت احب الفنون جدا لاسيما الرسم ، هوايتي التي مارستها سني طفولتي ومراهقتي ، وكنت احب العزف والتلحين ، واللذان حال بيني وينهما ، فكرة التحريم التي كنت اعتنقها في الماضي ، فقد كنت احبهما ولكن اعتقد انهما من المحرمات في الدين الاسلامي وان الرزق الناتج من العمل فيهما حرام ايضا . وكنت أميل كذلك الى تعلم اللغات ، ولاسيما اللغة الفرنسية ، التي يسعدني وصفها بـ( لغة البلابل ) ، فلحروفها جرسٌ ، ولكلماتها موسيقى أخاذةً ، تسحْر اذنك وتطربها .
لذلك كنت حائراً، واسال نفسي اين المسير؟ ، وفي اي اتجاه اذهب ، والغريب اني تركتهم جميعاً وتوجهت الى العلوم الاسلامية ، التي احبها وادرسها من المرحلة المتوسطة ، ولكن لم أكن أتخيل أني ساتخصص بها ، وعندما دخلت الجامعة ، وجدت عالماً جديداً من العلوم ، غير الكتب والكتيبات التي كنا نقراها ، والتي يشرف عليها شباب يعدون من انصاف المثقفين ، او انصاف المتشددين حتى ، بل وجدت علماء لم اسمع بهم طول عمري ، يحاضروننا بكل مالديهم من غزارة علمية دفّاقة ، فوجدت جبال العلوم والمعارف تنهال علية دون روية ، مما زاد توقي وشوقي لنهل الكثير والكثير .
ولحسن الحظ ، درستُ (علم الحديث والفقه والاعجاز العلمي ومناهج المحدثين) على يدِ عالمٍ جليلٍ ، هو الدكتور محمد بشار الفيضي ، احدُ اعلام العراق الفضلاء ، رغم صغرسنه الا انه كان علماً في العلم والدين والخلق . فلقد تميزت العلوم الاسلامية حسب رأيي المتواضع بكونها من اصعب العلوم على الاطلاق ، فهي تحتاج الى حضور العقل 24 ساعة ، لذلك كنت ولازلت اقول لاصدقائي الاطباء ، ان مادرسته اصعب مما درستموه في الطب ، ولاتوجد صعوبة في الطب الا انها تقدم باللغة الانكليزية فقط .
ولكن مع هذا كنت اعشقها عشقاً ، كيف لا وانا اتلقاها عن ايدي علماء جهابذة ، متميزون بكل شيء ، فخذ مثالاً على ما كان يميز شيخنا الدكتور محمد بشار ، صوته الجهوري الرخيم ، والذي يطربك عندما يتكلم فياسرك وياخذك الى مايريد لاسيما وهو يختار اطايب الكلام وينتقيه كما ننتقي نحن اطايب الثمر . ولعل اجمل ما استفدته من الشيخ اني اخذت عنه مفهوم السهل الممتنع الذي قراته في الادب من سنوات قبل دخولي الجامعة ، وما امتاز به ادباء وشعراء الوطن العربي كالمازني والزيات ونازك المائكة و فؤاد التكرلي واحمد امين وغيرهم .
فقد كان اسلوبهُ هادراً ، عذباً كالماء الزلال ، و سهلاً ممتنعاً ممتعاً للغاية ، وكان يفتّق في اذهاننا مسائلَ كانت لدينا من المسلمات ، كتحريم الغناء والموسيقى ، والتشدد بتطبيق بعض السنن ، وغيرها من الموضوعات الخلافية ، والتي كان دائما يقول : إنها مسالةٌ خلافية ، ولايطالبنا بان نقتنع بفكرته بقدر ما يفتح لنا افاق الحوار والنقاش والحرية الفكرية .
واذكر للتاريخ ان الشيخ كان اعجوبة وامثولة في حسن الخلق ، فلم اشاهده يغضب مرة لغير الله ، ابداً ، بل كان يقبلُ النقد كما يقبل المديح ، بكل انبساط واريحية ، حتى من بعض الزملاء الذين لايحسنون النقد ، كان يسمعهم ويتفهمهم الى أبعد ما تتصورعزيزي القارئ ، مما جعلنا نحب الدرس ونحب الشيخ ونحب العلم كمحصلة نهائية .
وقد جاء شيخي اطال الله في عمره الى مصر في زيارة لها قبل اعوام ولكن للاسف لم أستطع ان التقي به ، وأن اجلس اليه وأبشره بان مازرعه قد ربا ونما واستوى على سوقه ، وان أُسمعه الحانَ وكلماتَ الاغاني الهادفة التي قدمتها للمنشدين طوال السنوات الماضية . وأشكره من كل قلبي على اضاءاته الفكرية التي فتحت لي مسارات كانت مغلقة دونها ، جعلتني أقرأ أكثر واغرف من المعارف والعلوم على دراية وعلم وضوابط موزونة وفهم اكثر واكثر ، فجزاه الله عني كل خير .





