مـدونة شخصية جداً .. عصـارة تجـربة أثْـرَث حيـاتي .. وربـمَّا تُثري حيـاتك

Facebook
RSS

أم كلثوم تغّني .. والعراقيون يبكون

-
د. عمار عبد الغني

عندما كنت صغيرا ، سمعت اخوتي واخواتي في بيتنا يتحدثون عن الأطلال ، ويقولون لبعضهم البعض مارايك بالاطلال ؟ وكيف وجدتها ؟ وكم مرة سمعتها ... وهكذا .

كان حديثاً شبه يومي استمر لاسابيع بل اشهر ، يقولون الأطلال الأطلال ، ويسمعون اغنية الاطلال كل يوم ، والحمد لله انهم لم يسألوني عنها لاني حينها لم اكن اعرف عن ام كلثوم سوى انها سيدة الشرق وان لديها اغنية واحدة اسمها الاطلال .

المهم ان الاغنية بقيت عالقة في ذهني سنوات ، والاهم اني سالت نفسي مرات عديدة، مامعنى كلمة الاطلال يا ترى ؟ ربما سينقدح في ذهنك ايها القارئ العزيز اني ساشرح معنى الاطلال ، فهذا غير صحيح وليس من اختصاصي ، بل الذي يهمني من هذه الكلمة هو اي شخص في الارض يشبه العراقي الذي فارق بلاده وعاش يذكر الاطلال ؟

ستقولون دول كثيرة ، واقول لكم صحيح ، ولكن ان تعددت الدول المحتلة في الارض ولكن الشعب الوحيد الذي يبكي على الاطلال كل يوم هو الشعب العراقي ، ولا اقصد اتهام بقية الشعوب بضعف انتمائهم لاوطانهم حاشا لله ، وانما اقصد ان الانتماء شيء ، والبكاء على الاطلال شيء آخر .

اشتهر العراق بالتعبير عن الحزن بالحزن ، والبكاء واللطم والعويل والصراخ والغضب والنوح سنوات طويلة ، ولعل سبب نكباته هو هذا السيل العارم من الطاقة السلبية التي يطلقونها في الاجواء، فتجدهم يبكون في الافراح كما يبكون في الاحزان ، وهذا عجيب بالفعل ، كيف اذا نجح احدهم في المدرسة ، او راى ابٌ ابنته تُزّف الى عريسها ، او أم يأتي إبنها من سفر ، لا ابالغ اذا قلت سوف ينقلب المشهد من فرح ٍ الى بكائية لاتشهد لها مثيلأ ، تعبيراً عن مايسمى فرحاً عند العراقيين .

أنظر الى الاغاني مثلاً ، من لحنها الحزين ، تستطيع ان تميّز أنها اغنية عراقية بسهولة ، لما في نغماتها اثقال واحمال من حزنٍ ، وكلماتها المتوغلة في أعماق اعماق الألم ، وصدقوني بمقدور اغنية عراقية واحدة ان تصيبَ غير العراقيين بالاكتئاب لاسيما الذين لم يدمنوا الألم مثلهم .

حتى اغاني المهد التي تغنيها الام لطفلها ، تندرج في قسم النعي والرثاء ، اذ تُسمع ابنها الحانَ الحزن وهو صغير ، وتجلس تشكو له معاناتها مع والدهِ وقسوة غدر الزمان عليها ، فيرضعُ الطفلُ الحزنْ كما يرضع اللبَن ، وتجدُ مثل هذا كثير في ادبيات العراق وتراثه الثقافي ، من شعر وغناء .ونجد الشعراء يشعرون بالالم فيجسدونه اشعاراً تبعث على البؤس والاسى ، فمثلاً الشاعر العراقي بدر شاكر السياب وهو في قمة تفائله يتحدث عن الرخاء والمطر ، يقول : مطر مطر مطر ... وفي العراق جوع .

لم كل هذا ، أهو الحب ؟ ام حب الالم ، أم متعة التعاطف ، إذ يحفُّ الباكون كوكبة من الاقرباء والجيران يخففون عنه بينما هو يتعمد الصراخ واللطم والاسى ، فينقلب الموقف تراجيديا سوداء .

شاهدتُ أول أمس برنامجاً على احدى القنوات الفضائية العراقية الحزينة ايضاً ، لفيفاً من العراقيين المغتربين في اوروبا ، وسألوهم عن العراق ، فما كان ردهم الا البكاء والدموع والحسرة والالم ، بل قال احدهم شيئا غريباً ، قال عندما أنسى العراق قليلاً سرعان ما استدرك ذلك فاشاهد الأخبار في التلفاز لكي ارى الناس الذين يموتون فيه كل يوم واظل ابكي حزناً عليهم وشعوراً بآلامهم .

سبحان الله ، ايعقل ان يكون هذا حب ؟ ايعقل ان يكون هذا شوق ؟ حتى تضامنهم بكاء وحزن .

وان كان سيدي القارئ حباً وشوقاً بالفعل ، فلماذا هذا الفعل السلبي تجاه الاطلال ، لماذا هذا الإنسحاب من الفعل الحقيقي مكتفين الاختباء وراء الدموع ؟ لماذ نقف امام الاطلال وكانها مصيراً محتوماً على العراقيين والعراق ؟ لماذا نعيشُ في حقبة الماضي ولا نفعلُ شيئاً للمستقبل ، وحتى الذي يفعلُ يحنُّ الى الماضي واذا جسلتَ تحدثه عن أيام زمان فان دموعه تنهال على خديه كالسيل ، من سرعة الجريان .

حتى من يفعل للمستقبل ويفكر بالمستقبل ، تجده لا ينسى البكاء على مناسبات ماضوية ، تقوم على البكاء والعويل واللطم والنياحة .
وبعد أن عرفنا سرَّ العلاقة بين العراقيين والحزن ، وعرفنا انها علاقة حبيب بحبيب وعاشق بمعشوق، لايفرقهما زمان او مكان ، أصبح واضحاً سبب الحب الخاص لاغنية الاطلال لكوكب الشرق ام كلثوم .

2 Responses so far.

  1. دمت رائعآ مبدعآ في طرحك دكتورنا الغالي


    Noor Mudhaffar

  2. دمت رائعآ مبدعآ في طرحك دكتورنا الغالي


    Noor Mudhaffar

Leave a Reply

;