مـدونة شخصية جداً .. عصـارة تجـربة أثْـرَث حيـاتي .. وربـمَّا تُثري حيـاتك

Facebook
RSS

أمي .. وإمام المسجد .. وأنـا

-
د. عمار عبد الغني

دعيت ذات يوم الى بيت احد اصدقائي ، وكان والده يجلس الى شيخ ذو شيبة معمم يبدو في اواخر الخمسينات من عمره ، عليه سيماء الصالحين ولاازكي على الله احد ، فدعانا والده صاحب البيت الى الجلوس معهم .

ولم يفت وقت طويل حتى راينا العشاء موضوع على سفرة الطعام ، وبعد التسمية تناولنا ماشاء الله من الطعام اللذيذ ماشاء ، حتى انتهينا .

وعند الجلوس لشرب الشاي كان الوقت قد تاخر نسبيا ً علىّ ، فكان لابد ان اعود الى البيت، ولكن كان للحديث شجون وفنون حتى اردت ان اخرج فقام معي الشيخ المعمم ، واستاذن لان وقته تاخر ايضا ً .
وخرج صديقي يمشي معنا الى ان وصلنا الى الشارع العام ، وجاملتهما فبقيت انتظر سيارة تاتي لتقل هذا الرجل الشيخ فلم نجد شيئاً.فنظر الشيخ الى ساعته وقد قاربت عقارب الساعة الواحدة ليلاً ….
ياللهول ….

كيف مر الوقت بهده السرعة ؟

ان هذا الموعد ينبئ عن كارثة لهذا الرجل…

لاتوجد اي سيارة في مثل هذا الوقت …

لاتوجد بالمرة …

فمالعمل؟

وفجاءة ودون اي مقدمات تنصل صديقي من ضيفه وضيف أبيه فقال: انا استاذن ولابد ان اعود ، فاستغربت لطلبه هذا .

فقلت له: والشيخ ؟

فقال الشيخ : اذهبا فانا لي الله .

فغادر صديقي ماشيا الى بيته ، وتركني مع الشيخ ، ياترى هل من المعقول ان اترك هذا الشيخ لوحده في منطقة مقطوعة عنها وسائل النقل .

هل اخذه الى بيتنا يبيت فيه حتى الصباح ؟

وذلك الاحتمال مستحيل لضيق المكان اولا ً ، ولعلمي بان مبيت رجل غريب لانعرفه صعب ولاتتقبله عائلتي.

وصرت افكر وافكر ، والشيخ يتكلم عن نفسه وكيف كان تليمذا عند كبار المشايخ في العراق وكيف تعلم على يديهم فنون العلم والدعوة . وكنت أهز راسي موافقاً كانني مصغيا ً لحديثه والحقيقة اني كنت افكر الف فكرة في الثانية لاجد مخرجاً لهذا الرجل.

الوقت يمر .. والساعة تدق.. والزمن يمضي بسرعة .. والليل ادلج والقلق يساور اهلي عليّ ، فلم اعتد التاخر بالليل الى مثل هذا الوقت ، فماالعمل يارب ، هكذا ناجيت الله .

رزقت بفكرة لاباس بها ، وهي ان آخذ الشيخ الى امام المسجد الذي اصلي فيه ليسمح له ان يبيت ليلته في المسجد ، ولمعرفة مسبقة وطيبة بإمام المسجد ( وكان صديقاً صالحا ً) ، تجرأت واصطحبت الشيخ الى المسجد ولكن قلبي يرتجف لاني اخشى المجهول .

ثم طرقت الباب في الوقت المتاخر على الشيخ ، ففزع ولما راني فزع اكثر…وقال :

خيرك شكو شبيك عمار خوما اكو شي؟

فقلت : لا يوجد الا الخير ، فهدأته قليلاً ثم عرفته بالشيخ ، واخبرته انه رجل تأخر الوقت عليه وهو من طرفي وهو رجل ثقة ( وانتم تعرفون متى وكيف تعرفت به ) .

فقال الامام : إذن على ذمتك الشخصية ياعمار أقبل به ضيفاً.

فطرت فرحاً وبشرت الشيخ المعمم ، واحضرت له فراشاً من مخزن المسجد واغطية ، واخبرته باني ساكون عنده في صلاة الفجر ان شاء الله.

ذهبت الى البيت وانا ارتجف خوفاً وارتعد قلقاً ، لاني لااعرف هذا الرجل من قبل ، لكني اشعر بانه رجل صادق لن يؤذي المسجد بشيء ، ثم ليس من المروءة ان اتركه وارجع انام قرير العين .

صدقوني لم تغمض لي عين هذه الليلة، فكنت انتظر الفجر انتظاراً ، وما اصعب الانتظار، ومااصعب الموقف عليّ ، الى ان حان موعد الصلاة ركضت الى المسجد فدخلت فوجدت الشيخ قد استيقظ للتو.


وبعد اداء صلاة الفجر بقيت معه حتى السابعة صباحاً ، وطلب مني أواني طعام ، وملاعق، وصوابين ، ومنشفة وحاجات لا اتذكرها الان بالضبط.

فسارعت الى البيت ، فايقضت امي من النوم ( رحمها الله رحمة واسعة ملء السماء وملء الارض) واخبرتها بطلب هذا الرجل ولبت مسرعة لطلب الاجر ومساعدة المحتاج،

فجلبت الاغراض بسرعة ورجعت مرة اخرى للشيخ ، وقدمتها له ويغمر وجهي الحياء منه ، فربت الرجل فوق كتفي وقال: هل تريد مني شيء ؟

قلت له : ادعوا الله لنا .

فدعا لي واخبرني بفرح بأنه لن ينسى هذا الجميل وهذا المعروف ثم ركب سيارة وتوجه الى بيته .
ذهب الرجل وانتهى الموقف العجيب برمته ، ولكن لم ينتهي فرحي الغامر واعجابي بإستجابة امي لنداء الفقير واغاثة الملهوف ، وشعرت اني لست لوحدي ….

وانما معي امي بايمانها ويقينها وحبها للعطاء والتراحم ….

ومعي قبل كل شيء واهم من كل شيء ، الله تعالى في علاه .

فمن ربــــــح ؟ ومن خــــسر؟

صديقي وابــــــــاه ؟

ام أمي وإمــــــــام المسجد وأنا؟

Leave a Reply

;