مـدونة شخصية جداً .. عصـارة تجـربة أثْـرَث حيـاتي .. وربـمَّا تُثري حيـاتك

Facebook
RSS

القيادة بالحب

-
د. عمار عبد الغني


زاخرةٌ هي الحياة ، بكل مافيها من حلو ومر ، واتعمد في كل مرة في مدوناتي أن أذكر الإيجابي منها ، بينما أترك السلبي والمرير ليندثر في طي الكتمان حتى يصل الى طي النسيان التي اعدها مرحلة عسرة الوصول ولكن ليست بالمستحيلة . وتعلمتُ أن أفرح ، بالمعاني الجميلة من المواقف التي تحدثُ أامامي وتسجلها عدسة عيني ، وعلى الفور احتفظ بها ربما لانها لامست وجداني فاخذت حيزاً من كياني او لربما لان الزمن الذي نعيش فيه قلت فيه مواقف المروءة . وكما أحببت اليوم في مدونتي هذه ان اذكر لكم ثلاثة شخصيات ، استطيع ان اصفهم بانهم قادة بالحب .

الشخصية الاولى : كان فارساً بحق على اسمه ، جاسم الفارس ، وهو استاذ الاقتصاد الاسلامي المعروف . وأول اطلالة له في صفنا الجامعي ، كانت في مادة الفلسفة الاسلامية ، ولاول مرة ارى شخصية لا تعلم بل تنفتح عقلك للتعلم ، كان يرفض تقليده او موافقته لاراءه بل كان يطالبنا بان نشكل عقولنا وفقا لمفاهيمنا ووفقا لحرية النظر والتدبر التي منحها لنا الاسلام .

كان مختلفاً .. رغم انتقاد الكثيرين له ، الا انه كان وبحق مثالاً وقدوة ومفكراً ترك أثراً في تركيبتي الفكرية اليوم ، ولانني كنت ناشطاً في مجال العلم والبحث الاكاديمي ، كنت اتغيب احياناً عن دروس الفلسفة ، فيفتقدني اولَ مايدخل الصف ، بل كان يتحيزُ لي فلا يسجلني غائباً ، فيصيح البعض هذا تحيزٌ يادكتور ، ولكنه في كل مرةٍ يقول لهم : ( انا اعرف اين يذهب عمار وماذا يفعل ، وانا لا اسجله غائباًً لانه حاضر بالنسبة لي ، بل وجوده هناك حيث البحث والنظر والتدبر افضل من وجوده في درسي ).
ياااااااااااااه ... أيُّ عقلية محبة تفكر بهذه الطريقة ؟ لا استطيع ان اصف لكم مشاعري واحترامي لهذه العقلية التي جعلتني فيما بعد احترم الطالب بعقله لا بعمره ، واحترمه بانجازه لا بتواجده في الصف الدراسي .

الشخصية الثانية : هو الدكتور وليد البدري ، الذي رحل في عقول طلبته في خلجان ووديان ومرتفعات الجغرافيا الاسلامية ، فقد كان في كل مرة يثبت لنا اننا نعيش في عالم كبير لا نعرف كيف ولماذا ومن ؟ ... الخ .
عندما تسمع اليه تجد في صوته نبرة حنونة وحرقة في قلبة على امة الاسلام ، وهو يشرح على الخريطة كيف يذبح ابناء المسلمين على هويتهم ، وكيف يضطهدون ونحن نتفرج .

رغم انتقاد الكثيرين له بسبب تعصبه للعلم الذي يقدمه ويقدسه ، الا انه كان بالنسبة لي اخاً وصديقاً ومحفزاً طوال علاقتي به ، كان يقودُ بالحب والابتسامة معاً ، لايحسسك بانه استاذك ، الا اذا حاولت نسيان دورك المنوط بك في طلب العلم .

الشخصية الثالثة : وهو الشخص الذي علمني التواضع رغماً عني ، فقد كنت شخصية مغرورة نوعاً ما ، كحال بعض الشباب المتفقه والمتعلم ، الذي يصيبهم العجب النفس بما حباهم الله دون فضل منهم .
انه الاستاذ الدكتور عبد المنعم الهيتي ( حفظه الله ) ، فقد كان ينادي طلبته بـ ( حضرتك ، وجنابك ) وهي من أجّل أوصاف الاحترام في التخاطب مع الاخرين .

وكما هو معلوم في العراق ، إن هذه العبارات المحترمة قليلة ولا تقال الا للذوات ، ولايتدوالها العامة من الناس في كلامهم ، رغم انها من حسن الخلق .

دخلَ مرّةً الى الصف فعرض موضوعاً أعجبني وقد قرأت فيه كثيراًً ، وكنت اظن ان لديّ المامٌ واسعٌ به ، فأصابني الغرورحينها ، وقلت في نفسي لا يمكن ان يضيف فوق ما أعلم ، ولكن والله طوال مدة الدرس وهي 45 دقيقة ، ظللت في حالة من الذهول والاندهاش ، ماذا يقول ؟ ما هذا ؟

ايُّ غزارةٍ علميةٍ هذه ؟ ايُّ روعةٍ فكريةٍ هذه ؟ كل هذه الاسئلة كانت تقفز من اليمين الى اليسار ومن اليسار الى اليمين في ذهني وانا استمع اليه .

من يومها عرفت حجم نفسي ، وعرفت أن الحب وحسن الخلق هو أساس العلم ، وان الله لا يعطي العلم الا للمتقين ، وعلى الفور ودون تردد ، ذهبت الى غرفته ، واخبرته بانه عالم ولكنه متواضع لله. ولو كنت املك نصف علمه لما تواضعت ربع تواضعه ، فضحك وقال لي : ( ابني عمار سيكون لك شان كبير ، بالحب والتواضع طبعاً ) ولم اقم من مقامي عنده الا وقد عاهدته وعاهدت ربي ان اكون متواضعاً مطواعاً للفكرة المختلفة ، ومرنا ً لقبول الاخر ايّما كان .

كان الاسلامُ عظيماً .. وهؤلاء من عظماء المسلمين ، الذي وضعوا المسارات الحقيقية في تركيبتي الفكرية ، فشكرا لاساتذتي الكرام .

تعلمتُ القيادة بالحب ، من قادةٍ محبون ، لا يسعني الا ان اقولَ لهم : جزاكمُ الله خيرا ً ، على قيادتكم المحبة ، ساظلّ الهج بذكركم مدى الزمن .

Leave a Reply

;