
وجهت في برنامجي الإذاعي (( إحم إبنك )) لضيفتي الدكتورة " عزة تهامي " ، الاستشارية الاجتماعية المعروفة ، سؤالا محرجاً ، هل سبق وانك سرقت شيئاً ما وأنت صغيرة ؟
فأجابت : نعم .
كان ذلك في معرض حديثنا عن السرقة عند الاطفال ، وذكرت لها بأني قمت بفعل نفس الشيء ولكني لم اسرد قصتي كاملة لان الوقت لم يسعني لفعل ذلك ، لذا أجد من المناسب أن اذكرها الآن ، لما تحمل من معان ٍ وعبر .
واعتقد أن كثيرين سيتذكرون عندما يقرأون هذه السطور حوادث مماثلة مروا بها بأنفسهم ، أو سمعوا عن قصص كان ابطالها إخوانهم أو جيرانهم أو أقاربهم وأصدقائهم .
فعندما كنت صغيراً ، سألت نفسي لماذا ليس لدي راتباً شهرياً كما كان لاخي وأختي مثلاً ، ولماذا هم يملكون مالاً وأنا لا !!!
لذلك كنت اعتقد أن الواجب هو أن يعطي الغني الفقير ، حتى يصبح الجميع يملك مالاً يصرف منه ويستمتع به في اقتناء مايحتاج ، ولكن لم أدرك على ذكاء الفكرة وهي متقدمة على ذهنية طفل بسن 8 سنوات فقط ، يفكر بالتوزيع العادل للثروات ، لم أدرك الطريقة الصحيحة لتحقيق ذلك .
فلم أعرف الزكاة ولا الصدقات ولا الهبات والعطايا ، ولم اعرف الطرق الرائعة لتوزيع الثروات وأعادة التوازن للمجتمع من تغّول الثروات وانحسارها لقلة قليلة تاركين بقية الأغلبية يذهبون الى الجحيم .
لذلك فكرت بسرقة ما أحتاجه من حقيبة أختي الكبرى الممتلئة بالمال ، ولاسيما وأنها استملت راتبها الشهري ، يعني حان موعد توزيع الثروة العادل !
فذهبت وفتحت حقيبتها وأخذت ماشاء الله من الدنانير ، وذهبت أشتري مالذ وطاب من الطعام والشراب ، كأني إبناً لإحد الحكام العرب .
أمرت ونهيت ، وتعاليت وتغطرست على بائع الطعام والعصير ، أنظر اليه بتعالٍ شديد ، وأنا أرمي له النقود ، منتشياً فخوراً بما معي ، وحينما قفلت راجعاً شعرت كأني أطير فوق الارض بضع أشبار ، من هول الانتفاخ الذي ملئني . ثم بعد إن اشتريت ، وإنتعشت ، وفرفشت ، عدت الى البيت ، وكانت المصيبة .
فقد أُفتضح أمري ، ووجدت أسرتي كلهم فوق رأسي ، يرمقوني بعيون ملتهبة ، وكأني احس بحرارة شررها المستطيرة الآن ، وأنا أتذكر هذه اللحظات المريرة ، فبعضهم ينظر بإحتقار ، وبعضهم بغضب ، وبعضهم بأسف .
وأنا كنتيجة طبيعية لم استطع أن أتكلم حرفاً واحدأ فكأني لجمت ، أو خيط فمي بأسلاك شائكة ، الإ أن والدتي ( رحمها الله ) الحكيمة الرحيمة الرقيقة ، أخذتني على هون ، وقالت : إنك لا تكذب وهذا عهدي بك .
فقلت لها : نعم .
قالت : لم أخذت مالا يحق لك أن تأخذه .
قلت لها : بل هو حقي .
قالت : كيف ؟
قلت لها إن اختي الكبرى عندها مالاً كثيراً وليس معي شيء .
قالت : ومن قال أنك لن تملك مالاً ، عندما تكبر وتعمل ؟
قلت لها : سيكون عندي مالاً كثيراً .
قالت : نعم ، وسترفض أن يأخذ مجهودك أحد أويسرق من راتبك شيئاً ، اليس كذلك .
قلت : بلى ، ولو تجرأ أحد وفعل لقطعت يده .
قالت : نحن لن نقطع يدك ، بل نطلب منك ان الإستغفار والأعتذار، وفعلاً اعتذرت لاختي واستغفرت الله وندمت على مافعلت .
ومع الإعتذار و الاستغفار تعلمت دروساً بليغة عظيمة بسبب هذا الحوار الرائع ، وهذا التفهّم والإفهام ، فتعلمت مالم يكن باستطاعتي أن أتعلمه من ألف كتاب وخطبة وموعظة .
ما أردت تثبيته هو أن سرقات الاطفال ليست كلها جرائم خطيرة ومقلقة للوالدين ،وخاصة إذا إستطاع المربي بذكاء وحنكة أن يستثمر الموقف ويقدم موعظته كاروع ما يقوم به المربي والواعظ والمعلم .
ربما تكون محقاً ..
وأسلوبك لطيفاً ..
وحجتك قوية ..
لكن توقيتك غير مناسب





انت دومك مبدع دكتور في طرح الاسأله وفي صياغتها
شكراً لك اخي الحبيب أحمد .. نورت المدونة كعادتك
الحوار هو ما يفتقده الكثير منا في حوارهم مع أبنائهم، مع أن الزمن تغير عن زمن آبائنا وأجدادنا.
صدقت اخي عبد العزيز .. انرت المدونة بتواجدك الطيب فشكراً لك
لم يكن الطفل فى هذة الأيام بالأستجابة البسيطة كما تقول دكتور عمار الطفل اليوم يحتاج لغة من الحوار عميقة لم يمتلكها كثير منا
تطورت لغة الحوار كما تطوّر كل شيء .. فعلاً اشكرك على سطورك اخي العزيز .. دمت بود